هذا الشاب… هذا الرجل… كان يرسم مستقبلنا

كل الذين يعرفون غسان تويني من بعيد أو من قريب يتحدثون عن فكر الرجل، عن جرأته، عن ديبلوماسيته، عن مهنيته، لكنهم، أو معظمهم، لا يعرفون الانسان الذي فيه، أو الانسان الذي هو.
من الضروري الاضاءة على جانب آخر في شخصية الرجل، الذي انتفض على الواقع باكراً جداً. فلم يلتزم حدود “نهار” والده، وشوارع الاشرفية، بل شد الرحال الى البعيد، ولكن الى هارفرد، وليس الى المغتربات التي يحلم قاصدوها بالمال الوفير والحياة الهانئة.
ذهب طلباً للعلم الذي لم يكن يرتوي منه، أحب الفلسفة فدَرَسها ودرَّسها، وكان يفلسف كل الامور حتى أمكنه أن يتجاوز كل المحن، والتجارب على قول المؤمنين. وهي تجارب لو مرت على غيره لجعلته كافراً وملحداً ورافضاً هذه الارادة الإلهية. لكن غسان تويني، وبفضل الفلسفة ربما، نمّى ايمانه، فقبل تلك “المشيئة الإلهية”.
ظل عاشقاً للفلسفة حتى أيامه الاخيرة، لذا أحب بولس الرسول الذي زاد على المسيحية الاولى، البسيطة الايمان، والادراك، البعد اللاهوتي والفلسفي.
أذكر مرة قبل سنوات ان نايلة أخبرته بعيد ميلادي، فسألني عن عمري، وأردف يسأل “كم كتاباً قرأت في هذه السنين؟”، وقال انه سيهديني موسوعة فلسفية صادرة حديثاً في ثلاثة أجزاء. ولما كنت أعلم تماماً كيف يتابع غسان تويني مسيرة الكتاب – الهدية، بأسئلة يومية عن القراءة وعن الافكار الاساسية في المؤلف، أجبته ضاحكاً: “أستاذ أجلت عيد ميلادي، ولا أريد الاحتفال به”. فهم الرسالة، ضحك، وقال: “إذاً كتاب صغير بالمضمون ذاته”.
هكذا كان غسان تويني منذ صباه مولعاً بالقراءة، فحول منزله ومكتبه، وغرفة نومه ايضاً، مكتبات، لا تشبه مكتبات اليوم، المقامة للزينة في المنازل، والمرصعة بموسوعات ملتصقة الصفحات، وربما فارغة، بل مكتبات للبحث والمعرفة. يقرأ كل كتاب فيها، ويعود اليه عند حاجته الى التأكد من فكرة أو معلومة.
لم يكن يهدي نايلة وميشيل سوى الكتب، وأحياناً بعض اللوحات الفنية. وكان يتابع معهما القراءة حتى إذا ما توقفتا في منتصف الكتاب، اكتشف الامر، فجلس في الليالي الطويلة يقرأ الفصول الباقية معهما.
في مرحلة سابقة، كان يلعب معهما، باللوحات الفنية، بأنواع الرسوم، واسماء الفنانين، وعمر اللوحة، ومعانيها. وإذا نجحت إحداهما أهداها اللوحة أو كتاباً جديداً.
جعل “دار النهار للنشر” في عجز مالي، لأنه كان كلما طبع كتاباً جديداً، ودخل عليه ضيف، يهديه نسخة، وكان يمتلئ فرحاً كلما اتصل به أحدهم يعبر عن سروره بالكتاب.
كان غسان تويني ناشر كتب، وصحيفة، لكنه في الحقيقة ناشر معرفة، وحقيقة ومحبة. كان البعض ممن حوله يتأفف لمتابعته الدقيقة، والصارمة، لكل التفاصيل. وكان يبدو قاسياً في مفاصل كثيرة، لكنه كان يتوسل هذه القساوة باباً الى صقل الشخصية، أو الشخصيات المحيطة به. هكذا يروي كثيرون “افصلوا مشاعركم الشخصية عن العمل. أما انتماءاتكم الصغيرة فاتركوها جانباً، جربت الكثير منها، المهم أن تخرجوا من التجارب أسوياء… انتموا الى النهار”.
وبغير القراءة والكتابة، كان غسان تويني محباً للحياة، كان يحب تناول كأس ويسكي في ساعات المساء، وكان يستمتع بحضور حفلة موسيقية، خصوصاً في مهرجانات البستان، لدى الصديقة ميرنا البستاني، وكان يهوى السفر، الى الجنوب الفرنسي تحديداً. هناك هدوء وسكينة. كان يود من حين الى آخر، الابتعاد عن النمط اليومي المرهق، لكنه كان يناقض نفسه، إذ ما ان يستقر في منفاه الاختياري حيث لا انترنت، وحيث لا تصل الصحيفة اليومية اللبنانية، كان “يشغل” خطوط الهاتف مع بيروت، وكان يتابع بعض المقالات فيستمع اليها، لكنه بعد دقائق يطلب تصويرها وارسالها بالفاكس. حياة صحافي حقيقي لا يمكنه عزل نفسه عما يجري.
وفي لبنان ايضاً، كان غالباً ما يترك الجريدة في وقت متأخر، لكنه كلما شاهد محطة أجنبية عند الثانية أو الثالثة فجراً، ومرّ خبر لم يكن اطلع عليه قبل مغادرته “النهار”، حمل سماعة الهاتف ليتصل بسميح صعب في قسم “العرب والعالم”. وكان يتعجب حين لا يجده في المكتب. وعندما يأتيه الجواب في اليوم التالي، “ان الوقت متأخر يا أستاذ”، يجيب “وهل ينام الصحافي؟”.
لا أعلم متى كان ينام، يسهر حتى الثالثة والرابعة فجراً، ويحضر الى مكتبه في التاسعة، بعد ان يكون قرأ الصحف الصباحية قبل وصوله.
وغسان تويني، الذي أثقلته المصائب قبل السنين، ظل شاباً في عقله وتفكيره، في المنطق الذي يعالج به الامور، وقد تكررت تجربتي مع كل الزملاء الجدد تقريباً.
كان وقته لا يتسع للقائنا أحياناً، لكنه كان “يعثر” على متدرب في الجريدة أو محرر جديد، فيدعوه الى لقائه ساعة وأكثر، كنا نضحك غالباً من فعله، وكثيرون منا يرددون “هل ضيّع أستاذ غسان، لماذا يضيّع وقته بهذه الطريقة؟”. لكن من لم يعش التجربة لا يفهمها. أنا عشتها. غسان تويني كان يعطي الواحد منا أكثر من حجمه الحقيقي، ويضخ فيه المعنويات العالية التي تجعل ايمانه بنفسه كمثل حبة الرمل التي تحدث عنها المسيح والقادرة على تحريك الجبل بالايمان.
في تلك اللقاءات “المضحكة” للبعض، كانت تتم عملية بناء شخصيتنا، وهناك كان غسان تويني يرسم مستقبلنا.

غ. ح.

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s