قصته مع البلمند… أو الجامعة المتمحورة حول “تعليمة” واحدة: التميز

لم تقتصر علاقة غسان تويني بجامعة البلمند على السنوات الثلاث التي تولى فيها رئاسة الجامعة الناشئة. في الحرم المستريح على تلة في جوار الدير، والمشرف من عليائه على أجيال جديدة تبحث عن منارة، قال تويني لأسرة المؤسسة الأكاديمية الفتية: “عندي تعليمة واحدة من مجلس الأمناء: التميز (excellence)، ومش مطلوب مني اشتغل لغير هيك. هيا بنا”.

يطبع حرم جامعة البلمند سكون يخفي الحركة التي بنتها حجراً حجراً، منذ وضع حجرها منتصف عام 1988، بعد تسويف أدى الى “فقدان” طلب نيلها الترخيص ثلاث مرات، الى ان اتخذ تويني قراره وكتب في “النهار” ما فحواه: “سنبدأ بإذن أو من دونه”.
في كلمة بعنوان “شغف السعي الى الحقيقة” ألقاها يوم بدء التدريس في كلية العلوم الانسانية في الجامعة التي لم يمضِ على تأسيسها سنة، قال تويني – وهو لم يزل نائباً لرئيس مجلس الأمناء البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم – ان البلمند “تريد ان تواكب العالم المتقدم في إعادة تقييم التحصيل الجامعي بصورة جذرية جديدة. نريد ان نفيد من كل جديد في مناهج التعليم، ومن كل مستحدث في وسائله، كما نريد ان نفيد من دراسة الأهداف وبرمجة المراحل، والذهاب حتى حدود اختيار جدوى هذا التحصيل وتفاعلها، والتبصر في شأن مراميها”.

تويني رئيساً

بعد نحو سنة من تسلمه رئاسة الجامعة، طلب الدكتور جورج طعمة إعفاءه من المهمة “لأسباب تتعلق بالأوضاع السائدة في حينه” وفق نائب رئيس الجامعة الدكتور جورج نحاس، الذي رافقها منذ انطلاقها. في 8 تموز 1990، انتخب مجلس أمناء البلمند والمجلس الانطاكي المقدس تويني رئيساً “رغم إلحاحه على إعفائه من الموضوع، لكن المجلس المشترك لم يترك له خياراً”، ولعلها من المرات النادرة التي ارتضى فيها غسان تويني ان يقدم على خطوة لا يريدها “كان ثمة ضرورة لتطل الجامعة الجديدة على المجتمع بشخص ذي مصداقية وحضور”، وهكذا كان.
عاصر نحاس تويني الرئيس “الذي لم يكن يرضى ان يتسلم مهمة نصف تسلّم. كان مقتنعاً بالجامعة، وزاول مسؤوليته رئيساً فعلياً للجامعة بمعاونة مساعدين كان لي شرف ان أكون واحداً منهم”.
بدأ غسان تويني بضوع خططه لجامعة “ذات خصوصية، تدوم وتتحدى موضوعات يتراجع عنها الآخرون”، وانطلق من خطوتين أساسيتين وفق نحاس: “استيعاب مركز الدراسات الارثوذكسية الذي كان قائماً قبل تأسيس الجامعة (يعرف حالياً بمعهد التاريخ والآثار ودراسات الشرق الأدنى)، وقراره مع مجلس الأمناء إطلاق مركز للدراسات الاسلامية المسيحية”.
وفي “شغف السعي الى الحقيقة”، بدا تويني وكأنه يضع عناوين عريضة للجامعة التي تسكنه وإن لم يكن بعد متبوء المنصب الأول فيها: “تجاه الأجيال التي تتعهد، مسؤولية الجامعة مزدوجة. عليها أولاً ان تمكن هذه الأجيال الطالعة من المساهمة في إعادة تكوين المجتمع الذي تنتسب إليه على نحو يجعله في المصف التاريخي الذي يستحق، عادلاً خلاقاً، جميلاً في طموحه واعتزازه، متقدماً في كل فن وكل علم، تنبع فيه وتنمو وتزدهر المثل الأخلاقية العليا التي وحدها تحصن الاستقلال بالخير والمحبة. وعلى الجامعة كذلك ان تبني الانسان في المواطن. فالتربية ليست هي التي تنشئ الوطن، بل هي التي تصنع المواطنين الذين، عبر برامج تربوية متنوعة، يؤلفون في عدهم شعباً متنوعاً، لا قطيعاً تنتجه معامل التعليم”.
مثّل الجزء الأخير تحدياً أساسياً لتويني في وضع أسس العمل الأكاديمي التي ستتبعها الجامعة، متأثراً بتجربتيه الأكاديميتين في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة هارفرد “لكن عقله النقدي لا يجعله يتأثر بمعنى التقليد، بل إدراك السلبيات والايجابيات في البحث عن جامعة تنتطق من خصوصية انتمائها الى الكنيسة الارثوذكسية، والافادة من كل ما هو جيد ودفعه الى الأمام”. يضيف نحاس: “الجامعة بالنسبة اليه لا تخرّج شهادات بل بشراً، ولهذا من المهم ان يكون لديك من وقت الى آخر رئيس جامعة صاحب رسالة مختلفة يقدمها الى العالم الأكاديمي. هؤلاء أشخاص لا نصادفهم كثيراً، يمكن 500 شخص في العالم، وغسان تويني كان احدهم. كل العالم رأى فيه أكاديمياً على أعلى المستويات”.
رأى تويني في البلمند “جامعة معنية بكل شأن علمي وأدبي وفني وثقافي، بل وروحي”، وسياستها “محكومة بشغف السعي الى الحقيقة، وهذا السعي يحرر الطاقات. انها تنتفح أمام جميع السبل التي تسلكها المعرفة الانسانية. الحوار اذن في قلب دعوتها. ورغم ان المناظرة، أحياناً، طيق التقدم في العلوم البحتة، فإننا مدعوون الى التأمل في قول الامام الشافعي: ما نظرت أحداً قط فأحببت ان يخطىء، وما كلمت أحداً وأنا أبالي ان يبين الله الحق على لساني أو لسانه”.
هجس تويني بأن تتوضح في المرحلة الأولى من عمر الجامعة رؤيتها الى المستقبل “وكان لا بد من ان تكون لإطلالتنا خصوصية لأن البلمند هي الجامعة الأولى التي أسستها الكنيسة الارثوذكسية”. كبرت الجامعة، وركز رئيسها على الاتصال بالممولين لتوفير أساس اضافة المباني الجامعة التي لم تكن بعد في سنواتها الأولى تتمتع بإمكانات تمويل داخلية. والى المباني، كان التركيز على “استقطاب نوعية من الاساتذة المتميزين، وخصص الاستاذ غسان جزءاً كبيراً من وقته لكلية الآداب التي اعتبر ان دورها مهم في كل جامعات العالم، ووضعنا خلال ولايته الأساس المطلوب لتأسيس كلية العلوم وبرامج كلية إدارة الأعمال، وهو ما شكّل مدماكاً أساسياً للبناء عليه مستقبلاً”.

الادارة والمغادرة

أراح تويني كل من عملوا معه في الادارة الجامعية، وفاجأهم عام 1993 بإعلان رغبته في مغادرة المنصب. يشير نحاس الى ان البطريرك هزيم كان اول من أبلغه تويني القرار الذي نقله لاحقاً الى أسرة البلمند. في 15 تشرين الأول 1993، انتخب مجلس أمناء الجامعة الدكتور ايلي سالم رئيساً لها. وقال تويني عن خلفه: “يبقى القادم اليكم، وهو الأهم، رئيساً مقيماً دائم الحضور. أفاخر بأني اخترته فرشحته وألححت، وكان تجاوبه قناعة صارت في البلمند اقتناعاً كبيراً، بل ايماناً. يأتينا من الجامعة الأميركية، الجامعة الأم لمعظمنا، حيث درس ودرّس الآداب والتاريخ والعلوم الانسانية والسياسية فضلاً عن الاسلاميات… ولعل خير ما يؤهله للرئاسة في فترة الانطلاق الأصعب، فوق انتسابه الى الكورة وفوق استعداده لسكناها الدائم باسم التعليم (…) هو خبرته الطويلة جداً في منصب عميد الفنون والعلوم، وهو منصب أعرف، من رفقة نسيناها، انه أحب الى قلبه من مناصب السياسة ومقاماتها التي تجاوزناها”.
يكشف نحاس ان القرار يعود الى عام 1992 “قال لنا إن المسؤولية باتت تشكل ضغطاً كبيراً عليه واتفق على الأمر مع صاحب الغبطة. لم نكن نتوقع ذلك. بالنسبة الينا كان القرار مفاجئاً لكن لا أعرف الى اي مدى كان مفاجئاً بالنسبة اليه. اعتقد ان رئيس الجامعة حافظ على علاقات تشاورية معه، والجامعة بقيت في ضميره والبرهان ما قاله عن منزله في بيت مري (راجع الكادر) وهذا دليل على العلاقة الوثيقة”.
يقول نحاس ان تويني ترك الجامعة “من دون ان يشعر أحداً ان بينه وبينه مسافة. كان همّك هو همّه، وتمتع بقدرة على ألا يجعلك تحمل همّ الصعاب، وكل مستعصٍ يقول عنه: هيدي شغلة بسيطة”.
ترك الرجل عاطفته خارج العمل “وما لم يكن مقتنعاً بالأمر لا يسير فيه. لم نختلف معه بمعنى الخلاف، لكننا شعرنا في بعض الأحيان انه كان يسرّع الأمور، لكن بعد مدة اعتقد اننا اقتنعنا ان الأمر كان في صالح الجامعة لأنه اكسبنا صدقية وحضوراً على الصعيد الأكاديمي”.

كريم أبو مرعي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s