دروس لأجيال مقبلة

غريب كيف تندثر وطأة السنين سريعاً بعد الرحيل فيتحوّل الواقع رذاذاً يسبح في ثنايا الأمس، ولا يترك للحاضر غير الذكرى. غير ان ذكرى غسان تويني ليست كأي ذكرى، فهي مشبّعة بالفكر والفلسفة والسياسة والأدب والإيمان والألم وغيرها من المجالات التي طبعت الذكرى بخصائص ذاك الفريد في نوعه وفكره وحياته.

يقول المزمور 90 في العهد القديم من الإنجيل ان “ألف سنة في عين الرّب كيوم أمس الذي مضى”، هكذا نعيش معه 86 سنة من عمره كما لو كانت أمساً مضى، نختزل منها المحطات المهمة والمواقف اللامعة والتصريحات الباهرة التي لا يمكن الاحاطة بكل جوانبها.
تجربته مع الشباب وفي وزارة التربية تحديداً هي إحدى لحظات “الأمس العابر” التي لم تخل من بصمته التي تولّد المفارقات أينما حلّت. وإن كانت التجربة لا تتعدى 100 يوم، غير أنها كانت نموذجاً في التلاقي بين الشباب والمسؤول الذي يحاور ويناقش، يحدد الصواب من الخطأ وفق منطق المصلحة العامة. والأهم من ذلك هو المسؤول الذي يعايش الشجون ويدخل في دهاليزها حتى النهاية فيتسنى له فرض الحل الشافي.
حكومة “المجهولين” التي تشكلت الثلثاء 13 تشرين الأول 1970 لم تتضمن وجوهاً معروفة سوى رئيسها صائب سلام ووزير التربية والأنباء غسان تويني، الذي أصر على تسلم حقيبة “لأنها في نظري المجال الأوسع والأشمل للعمل المثمر. ونحن جئنا إلى الحكم وقبلنا به على أساس ان الحكومة ستكون حكومة عمل أولا وآخرا”.
وهكذا كان… فالعمل المضني المصحوب بأزمات الحكم المتوارثة من الحكومات المتعاقبة كان من نصيبه خلال ثلاثة أشهر، وهو من لا يعرف راحة في الأساس. واشتعلت إضرابات وتظاهرات للطلاب شكت آثاراً فرضتها عليها العهود السابقة، فأكبّ تويني على معالجتها.

أزمة المعادلات
في 18 تشرين الثاني 1970 انطلقت إحدى أولى التظاهرات التي نظمها الطلاب بدعوة من لجان التنسيق لطلاب التوجيهية والموحدة والثانويين، من البربير في اتجاه الأونيسكو حيث مبنى الوزارة. دفع الحنق المتظاهرين إلى الإشتباك مع قوى الأمن التي أغلقت أبواب المبنى في وجههم. وشكل المتظاهرون لجنة قابلت المدير العام للوزارة حينها الدكتور جوزف زعرور وعرضت عليه مطالبها وهي: إلغاء البكالوريا القسم الأول وإسقاطها من الإمتحانات الرسمية وإلغاء العلامة اللاغية في اللغة الفرنسية وتعديل مناهج الدروس الثانوية… غير ان زعرور لفت إلى ان الطلاب لا يريدون معرفة جواب الوزير بل يريدون تنفيذ المطالب بإسقاط الوزير والنظام والتدابير التي اتخذت في إطار تعزيز الثقة بالشهادات اللبنانية، وبينها قرار فرض البكالوريا الأولى كأساس لمعادلة أية شهادة ثانوية أجنبية.
كانت التظاهرة الفرصة الأولى التي استغلها تويني لردم الهوة بين الدولة والشباب. وقد نشرت “النهار” في اليوم التالي موقفه مما حصل إذ أوضح: “تبيّن لي ان ثمّة أزمة ثقة بين الطلاب والدولة، وقال لي الطلاب ان السبب الأساسي الذي حملهم على التظاهر، قبل ان يدخلوا في حوار مع المسؤولين، هو انهم فقدوا ثقتهم بالدولة والحكومات”. وتوجه الى الطلاب لدى استقبالهم بالقول: “ليس أسهل علي من الوقوف خطيبا في المتظاهرين ووعدهم بحل قضيتهم وكسب شعبية بينهم وترك الحكم، غير ان ما أريد هو مساندتكم في بناء المستقبل. نحن هنا لإزالة أزمة الثقة التي كانت قائمة بين الطلاب والحكومة. فالطلاب ليسوا فريقا والحكومة أيضاً، ونحن حكومة منبثقة من هذا الشعب مسؤولة عنه وتجاهه”.
هذه هي المعادلة التي نجح تويني في تعزيزها مع الطلاب خلال الأشهر الثلاثة، فشكل الطرفان فريقاً واحداً يتناقشان في المشكلات لتذليل كل العقبات. وقد أكد غير مرة تماهيه مع الطلاب عبر تكرار موقفه بأنه سيترك الحكم إذا تركت الحكومة أبناءها. وقف دائماً إلى جانب الحق مع أنه جزء من الحكومة إذ قال: “الحكومة مسؤولة عن أوضاع الطلاب المسجلين في مدارس تعدّهم للتوجيهية والموحدة. وكمسؤول عن أوضاع هؤلاء الطلاب أكرر انه لا يمكن تركهم في الشارع من غير معالجة بحجة ان القوانين التي وضعت في السابق والتي هي قيد التطبيق كانت ناقصة أو غير قابلة للتنفيذ، أو ان المجلس النيابي لم يشترع القوانين التي كان يجب ان يشترعها في الوقت المناسب”.
غير ان تويني لم يكن ممن يطلقون الوعود ويخلون بها، لذلك باشر العمل مع الخبراء والمعنيين في القطاعين الرسمي والخاص لعرض الحلول الممكنة لمشكلة المعادلات، وكان الحل في مشروع قانون صادق عليه مجلس الوزراء. ووصف القانون بأنه يحمل “حلاً كاملاً للقضية المطروحة إذ يتناول تعديل البرامج وإلغاء المعادلات والنظر في العلامة اللاغية والدخول إلى الجامعة اللبنانية، اضافة إلى التدابير الإنتقالية التي تجعل إلغاء المعادلات أمرا قابلا للتطبيق”.

تقويم التجربة
غسان تويني الذي نجح في استيعاب المشكلة عبر نهجه التحاوري الإنفتاحي الديبلوماسي، لم يستثمر نجاحه منفردا بل أصرّ على ان يحفظ مكانة الحكومة في قلب الشباب. ومن محاولاته في هذا المجال ما أعلنه في لقاء مع طلاب الجامعة الأميركية في 24 تشرين الثاني 1970 ان “الوزراء بما يتمتعون به من أمانة علمية ومسؤولية مدنية يرفضون الموافقة على أية قضية تربوية تتم على حساب مستوى العلم… يجب ان نصبح علمياً في مستوى من كان يستعمرنا لتزول أسباب الإستعمار… إن جعل التعليم ديموقراطياً لا يعني المساواة على المستوى الأدنى بل إفساح المجال أمام كل لبناني للحصول على العلم بمستوى معين شرط ان تؤخذ في الإعتبار مجالات العمل والحاجة إلى الإختصاص”.
في 25 تشرين الثاني أنهى مجلس الوزراء الجدل حول قضية المعادلات إذ أقرّ مشروع قانون معجّلاً مكرّراً بإلغاء المعادلات مع حفظ حقوق حملة الشهادات الأجنبية. كما أقر مرسوماً قدمه تويني لتعديل تسمية قسمي البكالوريا الأولى وتقسيم البكالوريا الثانية ستة فروع. وقد ترك الإقرار ارتياحاً بين الطلاب الذين صرحوا لـ”النهار” ان اختبارهم مع وزير التربية “يصلح في معالجة كل المشكلات التي تعني الطلاب”.
بدوره اعتبر تويني ان “ما تميزت به المراحل التي قطعها الحل هو أنه لم يكن هناك فريقان، طلاب وحكومة، بل فريق واحد يضم طلاباً ومسؤولين تعاونوا من أجل لبنان والطلاب والتعليم العالي”. ورأى ان ما حصل “كان انتصاراً، لأننا تجاوزنا قضية المعادلات التي كانت الفخ للحكومات السابقة إلى البحث في صميم البرامج التي يطالب الطلاب بتعديلها وجعلها أكثر مسايرة لمتطلبات التعليم العصري”.

مع الطلاب وبينهم
لم يترك غسان تويني فرصة تجمعه بالطلاب إلا اعتبرها خطوة نحو تحقيق الأفضل لهم. فخلال ثلاثة أشهر لم يفوّت إعتصاماً أو إضراباً إلا حضره سائلاً عن المشكلات للتفكير بالحلول. التقاهم في جامعاتهم ومدارسهم، ولم يتردد في الظهور معهم في مناظرة تلفزيونية مباشرة وعلنية رغم علمه بأنه قد يتعرض لنقد البعض منهم. ففي 2 كانون الأول 1970 استضافت “القناة 11” حواراً مباشراً مع مجموعة طلاب وصف خلاله تويني وزارة التربية بأنها “ثقيلة جداً لأنها تحرك 364 ألف لبناني بجهاز ضعيف”، مقترحا ان تقسّم قسمين “الأول للتربية والتعليم والثاني للثقافة التي تتعهد النشاطات الأخرى من السينما والمكتبات والشباب والمعارض والآثار إلى التربية الشعبية”. وتحدث عن تجارة الكتب مؤكداً انها “فالتة ويعتمد أركانها التحايل على القانون رغم رقابة دائرة حماية المستهلك وتدخّل وزارة التربية”. ودعا إلى “النظر إلى الإنفاق على التربية كأنه توظيف رأس مال، كما دعا إلى زيادة عدد المعلمين والإهتمام بنوعيتهم لانهم إذا كانوا غير جديرين فإنهم سيخرّجون طلاباً غير أكفاء. فلبنان لا يصنع بواسطة السياسيين والحكام إنما يصنعه المعلم، أي التربية”.
وأعاد تويني تأكيد ما أدلى به في الحوار التلفزيوني في لقاء مع طلاب المقاصد، غير ان تصريحاته أثارت موجة من الإنتقادات وجهها إليه إتحاد الناشرين، ومجموعة من الطلاب الذين اعتبروا ما قاله “فضيحة للوزير وقفص اتهام للنظام”. لكنه لم يستسلم، بل أكمل مقتنعاً بنهجه. نزل إلى ساحات التظاهرات والإعتصامات مطمئنا الطلاب وداعماً اياهم، ففي 5 كانون الثاني 1971 فوجئ الطلاب المضربون في المعهد الفني الصناعي ومدرسة الصنائع بحضوره، مبدياً تفهمه لمطالبهم “الدولة غير مسؤولة عن قضية إيجاد ملاك لحملة الشهادة الفنية، لأن أول دفعة من الفنيين الممتازين ستتخرج بعد أشهر”، لكنه أوضح انه يؤيد تصنيفهم في الفئة الثالثة. اما مسألة معادلة سنوات الدراسة التي يمضيها الطالب في المعهد بغيرها من السنوات في الجامعات المختصة، فقال انها “تحتاج إلى درس مناهج المعهد ومقارنتها بمناهج الجامعات. وفي ضوء البحث مع الجامعة نفتح طريق الهندسة أمام الطامحين من المعهد الفني الصناعي”. وأكد أن مباراة الدخول المرحلية لحاملي الشهادات الفنية “لا بد منها لأن سوق العمل في حاجة إلى حملة البريفيه الفنية والبكالوريا الفنية القسم الاول والقسم الثاني، ولولا مباراة الدخول المرحلية لكان جميع المتخرجين حاملين شهادة الإمتياز الفني. إن قضية دخول حملة الشهادات الأكاديمية الفروع الفنية ستحل قريبا في مشروع توحيد البرامج”. وهكذا انتهى اجتماعه مع الطلاب بتبنيه لمطالبهم مقابل حصوله على وعد منهم بتعليق الإضراب إلى أن يتسنى له درس المطالب ومناقشتها في مجلس الوزراء.

موجّه وحَكَم
لم يتردد تويني في التوجه نحو البقاع بعد خلاف نشأ بين تلامذة الصف الأول الثانوي في ثانوية زحلة الرسمية والإدارة، حيث استمع إلى الطرفين في محاولة لتقديم الحل. ورغم أن الأساتذة استخدموا الوسائل الديبلوماسية مع التلامذة في مقابل لجوء هؤلاء إلى العنف، توجه تويني الى الأساتذة قائلاً: “نحن أمام مشكلة تربوية، إلا أن المدرسة هي معلّم. وأنا أتكلم معكم كزميل لكم لا كوزير. فالمعلم عندما يختار مهنة التعليم إنما يختار الصبر، وإذا قتلنا طالباً نكون قد قتلناه لا تربوياً فحسب بل انسانياً. وأمام المشكلات التربوية عدم اليأس هو أصعب من اليأس بكثير. اليأس سهل جداً لكن التحدي الحقيقي للمعلم هو التلامذة الصعاب، ومهمته ليست تعليمهم فحسب بل تربيتهم”. وأضاف: “إن كرامة المعلمين هي من كرامة الوزارة أيضاً، لكنني أعتبر أن مسؤوليات المعلم أكثر بكثير مما قلت لأنه هو الذي سيصنع الغد وقدر المعلم ان يكون معلما… أنا وزير تربية التلامذة الذين لا يريدون ان يتعلموا والذين نشأوا في بيئة غير طبيعية، لأن التلامذة الصالحين لا فضل لنا عليهم، إلا ان التحدي الكبير هو جلب التلميذ الذي لا يريد ان يتعلم وتعليمه وفتح أبواب المستقبل أمامه”.

الإستقالة
“استعادة الحرية والعودة إلى السرب” هكذا صنّفت “النهار” في عددها الصادر في 21 كانون الثاني 1971 استقالة غسان تويني التي أسف لها كثر من الصحافيين والسياسيين. عقد تويني في 20 كانون الثاني مؤتمراً صحافياً تلا فيه كتاب الإستقالة الذي وجهه إلى رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ورئيس الحكومة صائب سلام وجاء فيه: “استمرار الوزير في الحكم رهن بشروط لعلّ أهمها استمرار ثقته بالقدرة على تحقيق ما جاء من أجله ووعد نفسه والناس به. وأنا إذ أشكركم على الثقة الغالية التي منحتموني إياها، انتم ورئيس الحكومة، أرجو قبول استقالتي لشعوري بأن استمراري في الحكم أصبح غير ذي موضوع لأن الوضع الحاضر لم يعد يمكّنني من تحقيق ما تكوّن لديّ، إثر ثلاثة اشهر من الممارسة، من اقتناع راسخ بوجوب تحقيقه بغير الأساليب التي في متناول الحكومة”.
وتحدّث تويني عن تجربته: “بعد دخولي الحكومة وفي اللحظات الأولى، بدأت أحسّ بشيء من الغربة داخل الحكم وهذا إحساس شعر به كلّ صحافي دخل الحكم قبلي. شعرت بقلق وعدم اطمئنان إلى أنني موجود حيث يجب أن أكون موجودا. إن استقالتي ليست شكوى من الحكومة بحد ذاتها، وليست شكوى بالطبع من رئيس الجمهورية ولا هي موجهة ضد أحد، فهي موجهة ضد نفسي”. وأوضح “بتقديمي إلى مجلس الوزراء المشاريع التي قدمتها وباقتراحي الإقتراحات التي انتهيت إليها، أعتبر أنني وصلت إلى مرحلة فاصلة أقدر عندها الرجوع إلى الصحافة وأنصرف إلى عملي الحقيقي”. وكان تويني قد أودع مجلس الوزراء ستة مشاريع قوانين هي: “مشروع قانون المعادلات، ومشروع إعادة تنظيم وزارة التربية، وإنشاء وزارة الثقافة، وتنظيم التعليم الخاص، وإنشاء مؤسسة الإذاعة بشكل مستقل، وإنشاء الوكالة”.

وفاء الطلاب لغسان تويني
في 4 كانون الأول 1973 تم توقيف غسان تويني ووفيق رمضان بتهمة إفشاء أسرار الدولة وتهديد أمنها وعلاقاتها. ومنذ ذاك التاريخ قامت حملة إضرابات وتظاهرات واسعة نظمها الطلاب وتلامذة المدارس للإفراج عنهما. وقد شهد يوم 12 كانون الأول تحركات واسعة في مختلف المعاهد والمناطق ومن بينها لقاء نظمته الإتحادات الطالبية في كلية الحقوق في الصنائع، وآخر في “هايد بارك” الجامعة الأميركية ومدرسة دير الناصرة وغيرها من الجامعات والثانويات والدور المهنية. ونزل إلى الشارع في تظاهرات ومسيرات عفوية في صيدا وطرابلس وغيرها من المناطق حشود كبيرة من الطلاب تطالب بالإفراج عن تويني ورمضان، داعين إلى إضراب مفتوح إلى ان يفرج عنهما.

باسكال عازار

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s