ناس مدينتي شعب طيب محب لتنوعها

لم تعد الإشتباكات والخضات الامنية بين جبل محسن وباب التبانة مجرد رسائل سياسية في منطقة استحقت لقب “صندوق بريد”، بل باتت أسلوب حياة أناس ارتضوا ان يسخّروا أرواحهم ويجنّدوا أبناءهم ويرهنوا مصير مدينة بأسرها.

قبل يوم من عودة لعبة الاقتتال الى خطوط التماس، جلت بين جبل محسن وباب التبانة بحثاً عن بذور لنبتة السلم الاهلي. أردت ان أعثر على قاسم مشترك بين الفريقين عسى ان اتمكن من حلّ لغز الصراع القائم بينهما. رأيت في وجوه البعض تعطشاً للدماء. تحدثت الى الكثيرين، ما زال  بعض ما قاله فؤاد (34 سنة) من جبل محسن يطنّ في اذنيّ: “كل نهار جمعة يطل شيخ في جامع في المنكوبين ليقول للناس العلوي كافر ويحلل قتله، فكيف لا تتولد الرغبة في داخلي للدفاع عن نفسي؟”. كما انني لا أنسى الحقد في عينيّ محمد (21 سنة) الذي كان يستعد للزواج قبل المعركة الأخيرة فبات يستعد لكل معركة: “في الماضي كان لي أصدقاء علويون، لكنني أصبت في المعركة السابقة وأصبح لدي بطاقة إعاقة. لم أعد أثق بهم”.
“وعدني” الطرفان بعودة المعارك في القريب العاجل لأنه يتم الإعداد لها، لكن لم أخل ان المسألة ستتطلب أقل من 24 ساعة، رغم انني لم أسمع هذه المرة رصاصة إنطلاق المعارك. يقع منزلي قرب قلعة طرابلس، ومع ذلك فالقذائف المتراشقة من الفريقين قادرة على جعل منزلي يرتعش كما لو كنت في قلب الحدث.
فجأة، تلقيت اتصالاً من صديقتي هدى، مذعورة بعدما قرأت على احد المواقع الاخبارية ان القذائف تسقط قرب القلعة. اتصلت بالموقع معاتبة غاضبة، فالاحداث هذه المرة بدت ومنذ الشرارة الاولى مختلفة عن سابقاتها ولا حاجة الى مزيد من “البروباغندا”.
سريعاً تم تناقل أخبار عن سقوط قتلى وأبواق سيارات الصليب الاحمر كانت تنخر آذاننا، وهي تسعى جاهدةً لإخلاء النساء والأولاد وسحب الجرحى تحت زخات رصاص قناص أعمى الحقد بصيرته.

للهاون وقعّ خاص

مع هبوط الليل، كان دوي القذائف يولد في داخلي غضباً عارماً. كنت أكرر في سري طوال الوقت ان “كل شيء سينتهي ولن تحصل حرب في طرابلس”. استلقيت في غرفة والدتي لأنها محجوبةً نوعاً ما عن مطل منطقة القبة والتبانة. حاولت ان أغمض عينيّ لأنام عسى عندما استيقظ أجد ان كل شيءٍ انتهى، وما هي إلاً دقائق حتى زلزلني صوتٌ مدوٍ وكأن بوابة الموت فتحت ذراعيها لاستقبالي. كانت شفتاي ترتعشان وجسمي ينتفض وانا مسمّرةً في مكاني أدقق في معالم الغرفة من حولي. لا لم تسقط على جسدي بعد. ما زلت اتنفس وحية ترزق. سمعت والدتي تصرخ من شدة الرعب، وتسللت قطتي لتجلس قربي، وبدا الخوف على كل فرد من عائلتي.
فجأة دخلت والدتي وعلامات الهلع بادية عليها، راحت تتكلم بسرعة وارتباك لكني لا أذكر ما تلفظت به. كنت ما زلت أتامل من حولي، أتاكد انني ما زلت على قيد الحياة. تناولت هاتفي وأردت ان أتصل بصديقتي باسمة لأطمئن اليها. مضى زمنٌ على معرفتنا إلا أنني عرفت في الأحداث الأخيرة أنها علوية وتقطن في حي الاميركان أحد أخطر الاماكن وقت الإشتباكات. حاولت مراراً وتكراراً وكان خطها مغلقاً طوال الوقت.
وفي ظل الخوف الذي أعيشه، وصلني إتصال من صديق من بيروت يريد أن يطمئن اليّ لانه سمع أنباءً عن احتدام المعارك في طرابلس. كنت عاجزة عن سماع حديثه عبر الهاتف ليس السبب تقطع في شبكة الخليوي أو صوت القنابل فحسب بل لان صديقي يتصل بي وهو في حفل زفاف لأحد أقاربه. سألته لأتأكد مما اذا كانت أذناي تخدعاني فأكد الامر. فبادر بسؤالي: “وانت؟”، فأجبته: “انا أيضاً في عرس الدماء على وقع قذائف الهاون”.
فجر الأحد الثالث من حزيران، البدر يزين السماء، لكنه اكتسى بالحمرة للمرة الأولى، وكأنه يكتسب لونه من الدماء التي تسفك على امتداد المدينة. عجزت عن النوم في انتظار بزوغ فجر جديد وعدنا فيه بهدنة موقتة ووقف لإطلاق النار، وها هو صوت الآذان يعلو في الأرجاء ترافقه أجراس الكنائس، محاولة اختراق دوي القذائف المدوية في شوارع المدينة الفارغة الا من عويل النساء عند كل انفجار. لا ليست هذه طرابلس وليس هؤلاء أبناءها، فمدينتي أناسها طيبون لا يفقهون لغة القتل والدمار، محبون للحياة، محبون لتنوعها. طرابلس بشبابها وشاباتها، مثقفيها ومجتمعها المدني الناشط، لا يقبلونها الا متعددة اللون

رانيا حمزة

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s