إنسومنيا الفتنة

كنت قد لامست عتبة الثلاثين من العمر يوم فهمت أخيراً مقولة اصدقائي بأن النضال الإلكتروني والعمل الـ “فريلانس” لا يسد جوعاً، ولا يغني عن عوز، فتركت ساعاتي العشرين خلف الشاشة. حزمت امتعتي، ووضبت افكاري العشوائية، اعدت ترتيب اولوياتي، وتمخضت الخطة الجديدة عن سيرة ذاتية قدمتها الى مؤسسة إعلامية عالمية، طارت بي الى تونس لأعمل على مشروع يشبهني، كوني، أنا ايضاً، أمر في مرحلة انتقالية.
مع ذلك لم تغب بيروت يوماً عن تعليقاتي على المواقع الإجتماعية،  فقلة النوم التي باتت علامتي الفارقة أبقتني على تواصل مع الجميع في بيروت عبر الفضاء الإلكتروني، متابعاً ما يحصل في بيروت ولو انني اقصيت من تلفازي التونسي كل محطات غسيل الدماغ اللبناني، واكتفيت بتصفح جريدة “النهار” وبعض المواقع الإخبارية. على ان صوت ميرنا المخنوق والمخضب بالدموع عبر الهاتف في تلك الليلة الطويلة التي قضتها محاصرة في مكتبها أبى إلا ان يفسد حميتي السياسية، فانصعت وعدت الى التلفزيون.
كنت، وبداعي القرف صراحة، عقدت العزم على ان احصر لبنانيتي في تونس بجواز السفر، وبقهقهات اصدقائي المتواصلة على “مياعة” اللهجة اللبنانية، وببضع مقالات أنشرها على مدونتي، فإذ بي أجد نفسي في قوقعة الحزن والحرب مجدداً. مشهد المسلحين يطلقون النار في شوارع بيروت، أصابني “بالإنسومنيا” ذاتها التي تؤرق الفتنة التي لا تخلد الى النوم أبداً، ولا تحتاج الى ملعون يوقظها.
قد لا أنام قط وبيروت تعاني إنسومنيا الفتنة هذه، حتى في تونس، وانا البعيد 2437 كيلومتراً بالتمام والكمال عن بيروت، أنباء الإشتباكات في العاصمة، والحرب المستعرة في طرابلس تلصقني بالشاشة لصقاً، تسمرني أمامها محاولاً التقاط معلومة من هنا او من هناك. أسأل عن مقدرة الآخرين على غربلة هذه الأخبار لاستقاء الصحيح والمغلوط. هل المسلح الذي اردى العجوز الثمانيني من التبانة أم من جبل محسن؟ فتاة كراكاس ليست فتاة ليل، هو كذب وافتراء، وتغليب للأجندة السياسية على المهنية الصحافية. “هاجوج وماجوج” من الأخبار، تتراكم، تخنقني، احس بضيق شديد في التنفس، ارتدي قميصي على عجل، اركب التاكسي، الى اقرب مستشفى، ضغط الدم إجتاز المقبول، انتهي بحقنة في الوريد، وحبة منوم يومية ولائحة ممنوعات مدة أسبوع، تبدأ بالملح ولا تتوقف عند التلفزيون، بل يشمل المنع “فايسبوك” و”تويتر” أيضاً. الطبيب التونسي يسألني بتهكم: “هل يستأهل لبنان كل هذا؟”.
هل حقاً يستأهل لبنان كل هذا؟ مرتع للإستخبارات من كل حدب وصوب، وصندوق رسائل اقليمية، وساحة لتصفية حسابات دولية. هل يستأهل اللبنانيون ابتلاءهن بطبقة سياسية كهذه؟ معايير هؤلاء حسابات النفوذ الطائفي والربح والخسارة انتخابياً، ربما يستأهل اللبنانيون بلواهم الأخيرة لأنهم مسؤولون عن إعادة استنساخ هؤلاء المسوخ كل أربع سنوات.
عدت كما كنت. قد لا يكون للحياة خارج لبنان اي تأثير إيجابي في ما عدا الشق المادي، فالهم والكرب اللبناني هو ذاته، يلاحقني وكأن لا مفر من المقدور. لا أزال حتى الساعة اتجاهل تعليمات الطبيب، أشاهد التلفزيون باستمرار، افرك يدي بـ “أختها” في عصبية مفرطة، اربط دقات قلبي بالأخبار العاجلة على الهاتف، اوجس خيفة من تأخر اتصال ميرنا، فقد يعود “الشلمسطية” الى الشارع في اي لحظة، فتضطر هي الى المبيت في المكتب، واضطر الى زيارة طبيب أنا بغنى عنه لو لم يكن في عيني دمعة، وفي عروقي دم يفتقر اليه كل طائفي مخبول يحمل السلاح.

عماد بزي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s