لتحسين الفعالية… أطفئوا لتحسين الفعالية… أطفئوا الهواتف الذكية

أحد الأمثلة التحذيرية في ثقافتنا هي “كن حذراً مما تتمناه، لأنك قد تحصل عليه”. يطبق الأمر في شكل أساسي على هذا النوع من الاتصال الآني والدائم التشغيل الذي يتمتع به كثيرون منا، ولاسيما من خلال الانترنت والهواتف الذكية. لكن “المتعة” قد لا تكون الكلمة الملائمة. تحدث الى أي شخص مشغول هذه الأيام عن متع البريد الالكتروني على سبيل المثال، والجواب الأكثر احتمالاً ان تلاقيه سيكون هزة كتفين لامبالية. تكنولوجيا كانت يوماً أداة سحرية للتواصل، اصبحت عبئاً على كاهل الناس.
كان الأمر سيئاً بما يكفي حينما أصبح البريد الالكتروني على تواصل مباشر مع الكومبيوتر الشخصي. لكن مع وصول الهواتف الذكية، بداية “بلاكبيري” ولاحقاً “آي فون” و”أندرويد”، تمكن البريد الالكتروني من التغلغل في كل تفاصيل النهار… والليل. كانت النتيجة إطالة لا ترحم ليوم العمل، ولاسيما الموظفين في مجالات ضاغطة، لأن الناس باتوا يتوقعون ان الوصول اليهم من خلال البريد الالكتروني صار ممكناً دائماً، وعليه يتوقعون رداً بالسرعة نفسها.
تحول البريد الالكتروني وسيلة التواصل الاساسية لكل الهيئات الحديثة، الى حد ان أياً منها لا يمكنها العمل من دونه. لكن ثمة دلائل متزايدة على انه يسبب خللاً في العمل، لأنه “يأكل” من وقت الناس المخصص للعمل والتفكير، ويلهيهم عن القيام بعمل “حقيقي”، ويخلق شعوراً بالذنب يرفع منسوب الضغط الى مستويات لا تحتمل.
في “العالم القديم” لأجهزة الكومبيوتر الشخصية، كان في امكان المستخدمين تركها في المكتب عندما يغادرون. لكن الهاتف الذكي غيّر كل ذلك. نفذ البريد الالكتروني حالياً الى الأوقات المخصصة للتسلية والعائلة، وحتى النوم. تحول الهاتف وحشاً يدمر حياتنا.
في أعماقنا، تعرف غالبيتنا هذا الأمر. لكننا لا نجرؤ على الحديث عنه في العلن، لخوفنا من ان نظهر مقصّرين. يبدو ان زملاءنا يتأقلمون مع الأمر في شكل جيد، لذا يشعر كل منا بأن عدم قدرته على التأقلم مع البريد الالكتروني الدائم الملاحقة فشل شخصي، ومشكلة يجب حلها على المستوى الشخصي. نتخذ قرارات لنكون أكثر فاعلية، للرد سريعاً على كل رسالة تصلنا، وأرشفة البريد السابق في شكل دوري…
تنجح هذه الاستراتيجيات لأسبوع أو اثنين، لكن فشلها محسوم لسبب أساسي هو ان مشكلة البريد الالكتروني جوهرية ولا تعكس قصوراً في الأداء الشخصي. اذا عملت في مؤسسة مدمنة البريد الالكتروني، لن تنجح اي خطوة تقوم بها بمفردك. في دراسة أجراها فريق متخصص من جامعة هارفرد، تبين ان الضغط يتولد من أسباب تبدو منطقية، كطلبات عمل من مناطق يختلف فيها التوقيت وما شابه. يبدأ البعض بالتأقلم مع تلبية الطلبات على الوقت ولو استلزم منهم الأمر عملاً اضافياً، ويعد رافضو هذا التأقلم أشخاصاً غير ملتزمين عملهم. أقنع فريق البحث عدداً من المديرين بإطفاء هواتفهم الذكية ساعات عدة يومياً، وفي التقرير النهائي أكد المشاركون انهم “أصبحوا محفزين أكثر، وارتفع مستوى الرضى المهني لديهم، مما وفر لهم توازناً بين الحياة الخاصة والعمل”.
ونشرت المسؤولة عن الفريق ليزلي بيرلو كتاباً مستمداً من الدراسة بعنوان “النوم مع هاتفك الذكي”، يظهر ان “وحش” البريد الالكتروني قد لا يكون قابلاً للموت، الا ان ترويضه ليس مستحيلاً.

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s