كيف يمضي الشباب وقتهم في زحمة السير؟

لأن معضلة زحمة السير في لبنان تفرض على “ضحاياها” أساليب خاصة في التحايل، ابتكر اللبنانيون، بخبرتهم الطويلة في تحويل النقمة نعمة، كل ما يلزم للافادة من الوقت بدل الضائع على الطرق في بلاد يعتبر فيها الوصول الى المكان المحدد في الوقت المحدد عجيبة!
يمتعض إيهاب شرارة (24 سنة) من أي حديث يمت الى زحمة السير بصلة. حاله كحال أي لبناني يقع كل يوم في الروتين نفسه، فيهدر الساعات في السيارة. يقول انه ينفجر غضباً من الزحمة الخانقة، وكأنها تتعمد مطاردته، فلا يبقى أمامه لـ “فش خلقه” سوى اطلاق العنان للزمور، مع التفوه ببعض العبارات النابية التي لا توفر أحداً: السير والسيارات والطرق والدولة ولبنان.
تختلف النظرة الى زحمة السير عند وسيم مصطفى (25 سنة) بحسب المكان المقصود. فإذا كان “المشوار” في اتجاه القرية أو أي منطقة جبلية، يمضي الوقت “بمراقبة المناظر الطبيعية الجميلة والتأمل، حيث الأشجار على جانبي الطريق”، أما إذا “علق” بزحمة السير في بيروت وضواحيها، فيضطر الى مراقبة الأبنية والجدران وقراءة العبارات أو الكلمات المكتوبة عليها وأيضاً الاعلانات الملصقة هنا وهناك. لكنه، على خلاف إيهاب، يؤكد ان الزحمة غالباً ما تكون مقبولة، “ومهما طالت فهي ليست بالكارثية”.
وكما يراقب وسيم جمال الطبيعة خارج المدينة، والجدران واللوحات الاعلانية داخلها، فإن باتريك عساف (22 سنة) يراقب أرقام السيارات ويحاول ان يحفظها ويسمّعها لنفسه. يقول انه يعشق عالم السيارات والسرعة، ويحلم بأن يقتني السيارة الأسرع والأجمل في العالم والتي تحمل رقماً مميزاً يلفت أنظار الجميع.
تستيقظ زينة صبح (26 سنة) متأخرة من نومها في معظم الأحيان. بالكاد ترتدي ثيابها وتذهب الى عملها في أحد محال الألبسة في بيروت. تعرف جيداً ان تستغل زحمة السير. كيف؟ بالاهتمام بجمالها. مرآة سيارة زينة على موعد يومي معها. تضع ما يلزم من مستحضرات التجميل أمام ناظريها، وتقلم أظافرها أحياناً، فيما السيارات تسير على مهل من حولها. تقول انها لا تخجل من نظرات الآخرين اليها، “فالبعض يبتسم والبعض “يلطّش”، والبعض الآخر يفعل الشيء نفسه”.
سامر ماضي (24 سنة) ينهض متأخراً كزينة. بالطبع هو لا يستغل زحمة السير في التبرّج، بل في “الصبحية”. يدير سامر الراديو، يشتري فنجان القهوة “الدوبل” من المكان عينه القريب قليلاً من منزله، يشعل سيجارته ويمضي الى عمله.  يقول (ساخراً) بأنه اعتاد حال البلد فباتت الحياة مملة من دون زحمة سير ومشكلات معيشية وحفر في الطرق وأشغال على مسافة كل 100 متر!
حال مصطفى البواب (20 سنة) كحال غالبية الشباب الذين وقفنا على رأيهم. هم مثله يجدون ضالتهم في خدمات الدردشة المتوافرة في الهواتف الذكية مثل BBM وWhatsApp. لعل السبب الرئيسي الذي شجع مصطفى على شراء هاتف “بلاكبيري” هو التملّص من زحمة السير. يتواصل مع أصدقائه، حتى لو كان الحديث روتينياًُ وعادياً. وإن صودف عدم وجود أحد منهم “أونلاين”، ينتقل الى “فايسبوك” عبر هاتفه أيضاً، فيكتب “الستاتوس” أو يعلّق على ما كتبه أصدقاؤه. يبقى على هذه الحال حتى الوصول الى المكان الذي ينوي ارتياده، مكرراً الأمر كلما وجد نفسه مرمياً في زحمة السير من دون أي ذنب ارتكبه.
جميلة الأعور (18 سنة) وكحال كثيرات من بنات جيلها، يجدن بوضع الـ “ear phones” في آذانهن والاستماع الى الموسيقى الطريقة الأنجح للتغلّب على زحمة السير. “الوقت لا يمر إلا بأغنية تعيد الحياة الى الروح عندما تضجر”، تقول جميلة التي لا يفارقها ثلاثة من محفظتها: هاتفها الخليوي، الـ “Chargeur” لشحن البطارية، والـ “earphones”  للتمتع بالأغنيات التي تهوى.
أماني حجازي (23 سنة) أرادت دائماً ان تحارب زحمة السير بالقراءة. الكتاب صديقها أينما ذهبت، هي التي تمضي معظم الوقت متنقلة بين سيارة أجرة وأخرى بحسب الأماكن التي ترتادها. في بعض الأحيان يحول حديث السائق مع الركاب وضجيج الخارج بينها وبين التركيز، فتضطر الى اغلاق الكتاب وإعادته الى المحفظة. يطول الوقت ولا سيما عندما يطفئ السائق محرّك السيارة مرات عدة وسط الزحمة لتوفير البنزين، وعندما يحاول تشغيله يأخذ قليلاً من الوقت. في هذه الأثناء لا يبقى أمامها سوى حل من ثلاثة: النظر من النافذة، تفقّد الساعة بين الفينة والأخرى أو الاستماع الى حديث السائق وتحليلاته للوضعين السياسي والاجتماعي من دون أي مشاركة أو ابداء للرأي.
لزحمة السير عند عامر عياش (22 سنة) حكاية أخرى. يتمنى ان تطول “العلقة” كي “يكبّ” أكبر قدر ممكن من النظرات عبر المرآة. لا يترك سيارة إلا ويتفقد من فيها، وإذا وجد فتاة جميلة يبادلها النظرات، “أما الباقي فيتوقف على حركة منها، أو إشارة بالقبول أو الرفض”. هذا إذا كان مزاجه جيداً، أما إذا تعكّر، لسبب أو لآخر، فيتمتم كلمات نابية، يشاركه السائق فيها أحياناً، أو يلغي المشوار من أساسه.
نعيم سرحان (27 سنة)، الذي يعمل على سيارة أبيه للأجرة في أوقات فراغه، يهوى قتل الوقت بالحديث الى الركاب. يقول انها الطريقة المثالية لإفراغ ما في الذات، من دون أدنى خوف من الآخر، باعتبار انه عابر ولن يلقاه مرة ثانية إلا مصادفة. لذلك يمضي الوقت “بحديث يجر حديث” ولا سيما إذا كان الزبون ممن يحب الكلام “فنصل الى المكان المقصود، رغم الزحمة، والحديث لم ينته بعد”.

فاطمة عبدالله

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s