سنّي غاضب – 2: نحن جيل ضائع

قبل عام ونيّف، أعرب كاتب هذه السطور في مقالة بعنوان “سنّي غاضب”، عن مزيج من حال الوجوم وطرح الأسئلة المستمدة من “انفجار” الحالة “السنّيّة” في لبنان، والتي تمثلت في حينه بـ “يوم غضب” دعا اليه “تيار المستقبل” بعد اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. في الأيام الأخيرة، عادت هذه الحال من منطلق أكثر حدة وسواداً، مع الاستخدام المفرط لعبارة “نصرة اهل السنّة” و”القهر”، وما شابه من العبارات المدمّرة للذات قبل الآخرين، مترافقة مع صور لا تتسع المساحة لنشرها كلها.
عاد الشعور نفسه المصحوب بقلق وأرق وقرف. في الانتماءات لنا ان نبحث عن إجابة على سؤال: كيف يمكن الانعتاق مما نحمله من دون ان يرتبط بنا؟ هذا عبء رؤية ما لا يُرى يتجسد واقعاً أمامنا. لا يقيّض لنا سوى السؤال. يوماً تلو آخر يصبح الفعل خارج أيدينا، ويلزمنا الترقب ان نقف ونتأمل، أو ان نبادر ونرحل. لا تترك هذه البلاد (وعصبيتها). لنا الكثير من الخيارات او الاحتمالات: إركب الأمواج التي تتقاذفك أو اغرق. يمكنك فجأة ان تصحو على وطن لا تعرفه، وشوارع بهويات غير تلك التي تركتها عليها في الأمس، وظواهر افترضت يوماً انها محصورة النطاق والحيز، فاذ بها كنقطة الحبر في الماء، تتفشى في دائرة لا حدود لها.
بتنا أسرى ذواتنا والنطاقات التي رسمت لنا. المنطقة، الدين، الهوية، المجتمع، الذات الفاقدة القدرة على المبادرة. أسوأ ما في الأمر ان تجد نفسك مصنّفاً وفق ما لا ترتضي. معنا أو ضدنا، ولا خيار ثالثاً في الأفق. جيل بكامله مجبر على الخضوع والقبول بالمصائر التي ترتسم في عوالم أخرى. لم يعد ضوء الصباح حكراً على صوت فيروز، بل أضحى بحثاً عن إطار يشتعل على تقاطع ما، وقذيفة تنطلق من حي الى آخر، وزخات من الرصاص تعيد رسم خطوط التماس. صار “الخبر” هو الخبز الصباحي والقوت اليومي والزاد المسائي. أي طريق سالكة؟ أي منطقة قابلة لـ “شمّ الهواء” ليلاً؟ هل يأمن القاطنون في هذه المنطقة أو تلك النوم في أسرّتهم؟ أم ان “الكوريدور” هو الأسلم لتمضية الليل؟
نحن جيل ضائع يبحث عن أمل، عن سراب في صحراء من دخان الحرائق المشتعلة من حوله، والمتغلغل في بيته من دون استئذان. لا تطرق الحرب الأبواب، تقرع طبولاً وتحتل الساحة. لا يترك أزيز الرصاص مجالاً لصوت عاقل، كما لا تترك البندقية أملاً في تحاور، ولا يترك التكبير مجالاً للتفكير. تتراءى لنا من البعيد صور السواد الذي يستشري أكثر فأكثر، والحناجر التي ترفع شعارات رنانة فارغة من اي مضمون. نمضي كالتائهين في البحث عن الغد الذي لا نعرف ما اذا سيأتي، أو ما اذا سنكون هنا لاستقباله. مقدار الغضب يرتفع بمرور الصيحات، وليس لنا سوى ان نقول: هؤلاء ليسوا نحن.

كريم أبو مرعي

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s