خذوا حصتي من هذا الوطن

شيءٌ غريب، لا تفسير علمياً له ولا استنتاجات منطقية. كلّ الشعوب حولنا خرجت عن طورها وركبت أمواج الثورة الا الشعب العظيم. كلّ الشعوب كانت لديها ما نحلم به الآن في القرن الحادي والعشرين. تيارٌ كهربائي بلا تقنين أو غياب لساعات طويلة، وقودٌ رخيص، رغيفٌ خبز وقلم رصاص نكتب به على دفاتر مدرسية توّزع مجاناً دون منّةٍ من أحد. شيءٌ غريب يجعلك تعتقد ان الشعب الجالس على تلك الأرض هو شعبٌ جبّار يستقوي على الظلام بإشعال شمعة، يتدفأ بأنفاسه اللاهثة، لا يحمّل أحداً ملامة ما يحدث له، يعيش لأن عليه ان يستمر، رغم حجم المآزق التي تعترض مسيرته.
شيءٌ مريب! هل يمكن شعباً ان يصل الى هذه المرحلة من الصبر والقدرة على التحمّل، وكأن لا شيء يجري في مناطقه، تستمر حياته عاديةً طبيعية ما دامت الشمس تشرق كلّ يومٍ من جديد؟ هل يمكن هذا الشعب ان يستمر في تحمل حكّامه كمرضٍ عضال لا شفاء منه الا بالرحيل؟ لا تصدّقوا، هذا الشعب ليس جباراً ولا قوياً ولا قادراً. هو ليس شعباً، مجرد بيوتات متجاورة، مناطق ترتبط بعضها ببعض بطريقٍ قد يُقطع في اي لحظة. هذا الشعب ليس يداً واحدة، هو جماعاتٌ وكانتوناتٌ متفرقة، كلّ منطقةٍ لا تنظر إلى أختها. أهلاً بك في الدويلات التي تتربع على سطح الدولة، لا شعور بالانتماء بينها ولا بالوحدة في العذابات.
المنطقة المنكوبة وحدها من تستغيث، المنطقة المنكوبة عضو مستأصلٌ من جسد الوطن، تستشفي وحدها، لا يمد لها أحدٌ يداً بل يسعفونها بالكلام المتملق دائماً. المنطقة المنكوبة مفصولة عن باقي المناطق، لا شيء يجمع بينها، لا احساس داخلياً بالنقمة ولا رغبة في الثورة على سوء الأوضاع. لا شعب على هذه الأرض. من يعيش عليها مجرد خيالات، أو ربما حفنةٌ من الأموات، لم تعد تعنيهم الحياة، كل شيءٍ صار أقل من اعتيادي، الموت والقتل والهدم والانهيارات. لا شيء يجمعهم على هذه الأرض غير الأرض نفسها وسوء تدبير الأقدار.
من يسري في بيوتهم التيار الكهربائي أو يملكون عملاً لائقًا يسكتون به تعب العمر لا ينظرون إلى من دونهم. لا يؤمنون بالدولة القاسية التي تحرم ناسها خدماتٍ هم ينتفعون بها. لا يصدّقون ناساً لا يجدون ما يسدّون به رمق الجوع، يرفضون الخروج من دفء منازلهم إلى برد الشوارع القارس لأن حثالة الشعب ترغب في الاحتجاج على سوء الوضع. يلومون كلّ من تحرك ضدّ الدولة، يلومون من يقطع الطرق بالإطارات المحروقة لأنّ في الأمر ضرراً على البيئة، الإنسان في ذاك الوطن لا يحيا فكيف بالشجر والطبيعة!
شيء غريبٌ، رغم كلّ ما يحدث لم تعلن الثورة، لم يخرج أحدٌ كالمجنون من بيته، لم يفقد أيٌ منا زمام السيطرة، الوطن غارقٌ في ظلامه، ما زلنا قادرين على قولها وببساطة من يخلد إلى النوم بعد ساعةٍ بسلامٍ واطمئنان. لا نجد فعلاً يهزّ المناطق بمن فيها، يوقظ الدولة والشعب معاً، يخلّصهما من الخدر المستمر، من السباحة في عالم الأحلام إلى أجلٍ مستمر.
الشعب في الوطن ليس واحداً، لا انتماء يجمعه ولا رغبة في العيش المشترك. كلّ من يحقّق مصلحته في منطقته لا يحرك ساكنًا. يتّهم كلّ صوتٍ يخالفه بزعزعة الأمن واللعب على وتر الاستقرار. لا شعب في الوطن وأحدهم يخبرك أنّ الأمور ستكون بخير. وحده الشعب من يُباع ويشترى، من يسكت ويرضى، من يطأطىء الرأس لا خوفًا ولا رهبة بل بلهاً.
شيءٌ غريب، لأن الشعب لا يريد الحياة، ولا ينتظر من القدر ان يستجيب له. هو يعيش في فقاعة هواء، لا يعرف إلى أين توصله أو متى تتلاشى بعيدًا في الفضاءات. هذا الشعب ليس مغامرًا ولا مقامراً ولا مندفعًا ولا ثورياً، استسلم لقدره دون عناء. نزعوا الرغبة منه، انتزعوا أيّ شيءٍ يحضه على التغيير، هو هكذا وسيبقى هكذا إلى أبد الآبدين.
في تلك البلاد يتكلم الجميع دون ان ينصت أحد. يضحكون لكلّ شيء، يموتون برصاصة طائشة تُطلق في فرح. فالموت لديهم مألوف أكثر من الحياة، هو وحده ولا أحد غيره يحكم على من تبقّى من أحياء. ذاكرة بلادي  قصيرة المدى، قليلة السعة، تُفزع الجميع بقدرتها الرهيبة على النسيان.
في تلك البلاد يظن الجميع انهم مرسلون من السماء، ان لديهم لسان الشعب الأخرس، انهم يملكون الوصفة السحرية التي  تُنهي العذابات. في بلادي لا نحلم بمستقبل مشرق، بل ندخل في نفقٍ مظلمٍ بلا نهايات.
في بلادي ينتحر أحدهم لأنّه لا يجد لقمةً ليُطعم شبابًا عاطلين عن العمل، وتأكل الوساطة والمحسوبيّات كلّ ما تبقى من أمل.
بلاد فيها شعبٌ يحتشد بالملايين لسماع خطاب زعيم وفي المقابل حفنةٌ من بشر لنصرة رغيف الخبز. بلادٌ يُباع فيها الضمير بخزّانٍ مليء بالوقود، وتملأ وجهها خطوطٌ و حدود. خذوا حصّتي منها، واتركوني فأنا اخترت أن أكون من دون وطن. عشتم وعاشت المناطق اللبنانية الأبية التي ترفض الدخول في لعبة الثورات والتغيير. هي أرقى وأرفع وأسمى من أن تخرج بشبّانها وشيبها إلى الشارع.

يمكن متابعة مدونة مريم ترحيني على donkishotat.wordpress.com
This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s