طلاب الصحافة وشبابها: بين المرتجى والواقع

يبدو ان حال طلاب الصحافة كحال هذا البلد: قلقٌ واضطرابٌ وشكٌ وخوف من غد مجهول، غامض. متحمسون. يحبون المهنة. مستعدون لكل شيء كي يستحقوا شرفها. ولكن حبذا لو كان الواقع أكثر ليناً ورأفة، فلا يصدمهم بقسوته وتواطؤه. سأل “نهار الشباب” عدداً من الطلاب ماذا يأملون من المهنة بعد التخرّج والمشكلات التي تواجههم، وحمل أجوبتهم الى ثلاثة صحافيين شباب يعملون في ثلاث صحف.

تضع نعمت أشقر (الجامعة اللبنانية، كلية الاعلام – الفرع الثاني) أمامها كل الخيارات، بما فيها إمكان الا تُعطى فرصة لمزاولة العمل الصحافي بعد التخرّج. شغفها بالصحافة يحد من تشاؤمها “وإلا لكان اليأس والاستسلام قلبا كل الآمال والخطط لمصلحتهما”. تقول إن الاساتذة من جهتهم يزيدون الطالب يأساً “بحجة ان الواقع على الأرض أصعب مما يراود الذهن من أحلام جميلة”، لكن صاحب الارادة والكفاية برأيها لا بد من ان ينال فرصته في هذه الحياة “وإن أمعن الواقع في قسوته”. ماذا إذا لم تجد عملاً بعد التخرج؟ الحل سيكون باختيار اختصاص آخر كالترجمة “لأنها تدرّ أموالاً كثيرة، وهي مطلوبة”.
تبدو بتونيا يونس (الجامعة اللبنانية، كلية الاعلام – الفرع الأول) أكثر تشاؤماً لأنها تواجه صعوبة في تأمين فرصة التدرب في غير وسيلة إعلامية، “فكيف إذاً بالعمل؟”. تربط واقع الصحافة بتركيبة البلد السياسية “فالصحافي الذي يريد ان يصل لا بد له من ان يبيع مبادئه، وإلا لن يحصل على أي فرصة عمل في بلد وسائله الاعلامية مسيّسة وطائفية الى هذا الحد”. هي كنعمت، قد تدرس الترجمة، أو تتخصص في مجال الأرشيف، الى الصحافة، فتكون بذلك أكثر حظاً في المستقبل. ماذا تنتظر من الصحافة بعد التخرج؟ “لا شيء!”.
الى الفرع الثاني في الفنار، حيث تخبرنا الطالبة نور جعجع بأن “اتكالها على الله” هو وحده الأمل بمساعدتها على ايجاد فرصة عمل بعد التخرج. تستذكر حماستها لحظة دخول الجامعة، وكيف بدأت هذه الحماسة تفقد بريقها عندما سمعت قصص طلاب سبقوها، تخرّجوا ولم يجدوا عملاً. أُصيبت بخيبة أمل، لكنها لم تيأس، وإلا لكانت غيّرت الاختصاص “يجب ان يكون هناك مكان لكل انسان كفي ليثبت نفسه، لكن هذه المعادلة لا تُطبق في لبنان، باعتبار انه بلد المعايير الجانبية التي تقلب كل المعادلات”. حسوبيات، وسائط، تشرذم، كلها عوامل تجعلها أقل تفاؤلاً بمستقبلها المهني، لذلك تلوح في بالها فكرة السفر لتتابع دراستها في الخارج، أو تدخل مجال العلوم السياسية أو الحقوق، علها تحصل على باقة من الخيارات العملية.
ترفض الطالبة في الجامعة الأنطونية سمر ابرهيم ان تدخل مجال الصحافة بالواسطة. تخبرنا عن تجربتها في محطة “ان بي ان” عندما تقدمت بطلب التدرب، فسُئلت عن واسطتها، وما ان أخبرتهم عن الاسم، حتى وافقوا على منحها الفرصة. ولما وجدوها “مندفعة”، رموها على الفور بكلمة “تهدّي”. صدمتها هذه الحادثة، وصدمها أكثر رفض الكثير من الشخصيات السياسية إعطاءها مقابلة للجامعة من دون واسطة أيضاً “باعتبار ان الطلاب الذين لم يتخرّجوا بعد تنقصهم الخبرة، ومش قدّ المقام”. لم تكن تعرف أياً من هذه الوقائع قبل اختيارها التخصص، ومع ذلك لم تفقد الأمل، وستظل تبحث عن فرصة تنتظرها في مكان ما لتثبت نفسها.
لم نزل في حرم الأنطونية. ملاك صولي تشاطر زميلتها سمر رأيها. “سوق العمل مرتكز على الوسائط، وما سوى ذلك استثناء”. تفكر أحياناً بتغيير الاختصاص لأن “الرواتب في الصحافة تكاد لا تذكر، تحديداً في شقها المكتوب، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها كل وسائل الاعلام”. لا تعول كثيراً على هذا الاختصاص في المستقبل القريب، لكنها تأمل خيراً بعد نحو عقدين من الزمن، عندما تكون قد اثبتت نفسها تدريجاً. وحتى لا تذهب جهودها سدى، قررت ومجموعة من أصدقائها انشاء موقع الكتروني اخباري يتطورون من خلاله “لكن هذا قد يكون بعد التخرج عندما تنعدم الخيارات والفرص”.
رأى الطالب في جامعة بيروت العربية حسين الشريف ان مستقبل الاعلام الكتروني الاتجاه، لذلك يطمح الى إكمال دراسته في الصحافة الالكترونية بعد نيله الاجازة. “سوق العمل يفيض عن حاجته من متخرجي الصحافة، لكنه لا شك سيستوعب الصحافي الكفي الذي يبذل جهداً ليتقدم ويثبت قدميه على أرض المهنة، ولا سيما ان العصر الالكتروني وعالم الفضائيات العربية التي تبث غالبيتها من لبنان، متاح للجميع”. ينصح زملاءه بعدم الاكتفاء بالاجازة الجامعية، بل اكمال دراستهم والاكثار من القراءة “لأن فرصة العمل ستأتي عاجلاً أم آجلاً مهما طال الانتظار”.
في الفرع الثاني في الفنار، يقول الياس باسيل هازئاً: “بدي افتح محل فلافل بعد التخرّج”. أما في الجدّ، فيعرب عن شغفه بالمهنة، ويعتبرها رسالة وضميراً وواجباً. هو ممن يؤمنون بموهبتهم، ويعملون على تغذيتها بالدراسة والقراءة “فالطالب الطموح سيصل حتماً، درجة درجة، وخطوة خطوة، مهما كان الطريق وعراً وطويلاً”.
ميزة الاعلام، يقول الطالب في الجامعة العربية خالد موسى، في استمراريته للأجيال المقبلة “مما يفتح المجال لعنصر الشباب بتحصيل فرص العمل”. صحيح ان العصر الذهبي للصحافة المكتوبة خفّ وهجه، برأي خالد، لكنه لم يأفل، “كما ان الصحافة الالكترونية آخذة في الانتشار، مما يتيح لمتخرجي الاعلام امكان الحصول على وظيفة”. يأسف لمعادلة “العمل مقابل الواسطة”، وانحياز وسائل الاعلام الى أطراف سياسييين وحزبيين، خاتماً بالقول: “قد أضطر لتدبير واسطة لأحجز لنفسي مكاناً في الصحافة، ولكني افضل ان أصل بكفايتي”.
سارة طغماز، طالبة في الجامعة اللبنانية الفرع الأول، ترمي مسؤولية واقع الصحافة على جيل الشباب الجديد “القادر وحده على تغيير هذا الواقع المرير نحو الأفضل”. ترفض ان تضع نفسها رهينة الصعوبات، أو تستسلم لما يُروى لها من مشكلات، مؤكدة تمسكها بالمهنة الأحب الى قلبها، الصحافة. تقول: “لا أملك معطيات كافية أحارب بها سوى كفايتي، ولعلها أقوى الأسلحة على المدى الطويل”.
تمسُّك الطالب في الأنطونية جو تابت بحبه للصحافة يشبه تمسك سارة. يرى ان الصحافي يقع في الثغر عندما يبدأ مسيرته الاعلامية بالعمل مع طرف سياسي ضد آخر. هو أيضاً يرى ان مجالات العمل واسعة، رغم كل ما يُثار ويُحكى. يؤمن بقدراته، ويفضل الا يذعن للشائعات ما لم يختبر سوق العمل بنفسه، وعندها سيبني على الشيء مقتضاه.
الى جامعة سيدة اللويزة. الطالبة مايا عيد تقترح حلاً: “يمكن ان أعرض أعمالي وتحقيقاتي على وسائل إعلامية عدة، فأثبت نفسي عملاً بعد آخر، وقد يقع الخيار عليّ في إحداها، من يدري؟”. تقر بصعوبة هذا المجال “ولكن “الشطارة لا تعرف مستحيلاً، وهي كفيلة بتذليل الصعاب”. عن الواسطة، تجيب: “هي في كل مجال، وليست حكراً على الصحافة، كما انها لن ترافق الصحافي في تفاصيل أعماله وتحقيقاته”. قد تتجه مايا الى التعليم أو الى اختصاص آخر إذا ضاقت بها الفرص، لكنها بحدسها تقول ان الصحافة قدرها وحياتها، ولو بعد حين.
زميلتها في الجامعة نفسها، آية خير الله، تقول إنها كانت حتى الأمس القريب تعتقد انها سرعان ما ستجد عملاً بعد التخرّج “لكن الواقع وتجارب الزملاء السابقين يثبتان عكس ذلك”. تروي معاناتها مع بعض الوسائل الاعلامية أثناء طلبها الحصول على فرصة “الستاج”: “بدن معاملة، بدل ما يشجعوا الشباب”. تتنهد وهي تختم بالقول: “أظن ان الأمور لن تُحل من دون واسطة، عليّ ان أتدبر أمري قبل فوات الأوان”.

ماذا يقول صحافيو اليوم؟

يروي الصحافي في جريدة “السفير” جهاد بزي تجربته الاعلامية: “دخلت “النهار” لطلب التدرب من دون واسطة. قدمت يوماً أحد أعمالي الصحافية الى “السفير”، فحصلت على  فرصة للعمل فيها”. يقرأ الواسطة في الاعلام على انها ردة فعل عكسية، مُبَالغ فيها “فغالبية الوسائل الاعلامية تنتمي الى القطاع الخاص التي تشترط الكفاية قبل أي معيار آخر”. يقر بضيق سوق عمل الصحافة المكتوبة في لبنان، “على عكس الصحافة الالكترونية”، وهنا لا يرى خطأ في طرق أبواب الفضائيات العربية، وعدم الاكتفاء بنوع واحد من الأنواع الصحافية، ولا سيما ان “الرواتب ضئيلة وليست مقبولة أبداً”. هو ممن يقولون ان حبّ المهنة وحده لا يكفي، “رغم انه أساسي”، بل يجب تحصين النفس بالثقافة والمتابعة. يدعو طلاب الاعلام الى التفاؤل ودرء الأفكار السوداوية التي تغلّف رؤوسهم “لأن ممارسة المهنة على الأرض أجمل من اليأس بكثير”.
نجح الصحافي حسن عليق باثبات نفسه في جريدة “الأخبار”، “من دون أي واسطة أو دعم من أحد”، ليصبح اليوم رئيساً لقسم المحليات فيها. يرفض “منطق الواسطة” في الاعلام، لأنه عمل علني أمام الجمهور والمسؤولين الذين لن يتوانوا عن استبعاد الشخص غير الكفي مهنياً. يشاطر زملاءه والطلاب بوجود أزمة في سوق الاعلام لناحيتي العرض والطلب، “فأماكن العمل المتاحة لمتخرجي الصحافة أو لمن يرغبون في مزاولة المهنة من خارج مجال الاعلام، محدودة، وهو أمر لم يعد سراً على أحد، حتى على أساتذة الاعلام الذين يحاضرون في هذه الأزمة”. يشدد عليق على انه لا يقصد بكلامه زرع اليأس في نفوس الطلاب “فالطالب صاحب العزيمة والارادة والمهنية سيلفت الأنظار”. حبّ المهنة أساسي في رأيه، لكنه ليس كافياً إذ “يجب صقل الموهبة وتنميتها بالمتابعة، لأن المشوار الصحافي طويل، وإثبات النفس يتطلب تضحيات وساعات طويلة من العمل”. يقر بعدم كفاية الرواتب في الصحافة، ولا سيما المكتوبة، “وهذا جزء من أزمة عالمية تضرب قطاع الصحف”، لكن “هذا لا يعني ان يبيع الصحافي مبادئه”، داعياً الى تحصين النفس مهنياً، والى المثابرة وعدم الاستسلام.
الصحافي في جريدة “المستقبل” عمر حرقوص شارك الطلاب هواجسهم، معتبراً ان المهنة ليست سهلة، ولا سيما في بلد مركب طائفياً مثل لبنان. يقول إن الحظ حالفه فرمى أمامه الفرص، لكنه في مرحلة ما وجد انه من الضروري الالتحاق باختصاص آخر وجده في التصميم الغرافيكي (graphic design)، وهو اليوم يزاول المهنتين معاً. برأيه حب المهنة لا يشكل سوى 5 في المئة من النجاح، أما النسبة الباقية فللعمل على تطوير النفس واكتساب الخبرة والمعرفة. لا ينكر ان خط “المستقبل” يشبهه، ولو طرق باب أي مؤسسة ثانية لما استقبلته. ولأن رواتب المهنة لا تكفي “يضطر الصحافي الى مزاولة عملين أو ثلاثة كي يعيش حياة كريمة تجعله مترفعاً عن الاغراءات والعروض المشبوهة”.

فاطمة عبدالله

2012-05-10

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s