بيروت الاستهلاكية بعدسة جيسيكا كلش

للمدينة أكثر من وجه، ولبيروت غير صورة وحياة ونبض. تركت جيسيكا كلش الولايات المتحدة التي هاجرت اليها عام 1989، وعادت الى مسقطها، باحثة بالصور عن نزعتها الاستهلاكية المخفية خلف بنيان مدني لا يترك أثراً للتاريخ الذي قامت على تراثه العاصمة.

بعد ولادتها في بيروت عام 1983، انتقلت كلش مع عائلتها بداية الى أبو ظبي ولاحقاً الى فيرجينيا في الولايات المتحدة، قبل ان تستقر في نيويورك منذ عام 1997، واستمرت بالقيام بزيارات سنوية الى عائلات وأصدقائها في لبنان، مقوية بذلك ارتباطها وعشقها لمسقطها. ورغم ان ذاكرة طفولتها تحمل بعضاً من صور الحرب والانقسامات الحادة التي طبعت تلك الفترة، الا انها بقيت “محمية من حاجة المجتمع الى تصنيفي في ما يفترض انه يحددني كفرد”.
لم تتعرف كلش الى “هويتها المسيحية” قبل وجودها في أبو ظبي، ولاحقاً أصبحت “عربية” في فيرجينيا الغربية، وفي نيويورك “طفلة الثقافة الثالثة” (Third Culture Kid)، وصولاً الى “أجنبية” لدى زيارتها بيروت.
ونظراً الى الحياة التي أمضتها في مراحل إعادة تأقلم، تشكلت هويتها “من عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية عدة وأحياناً متباعدة”. ومع الأخذ في الاعتبار دور هذه التجارب في التأثير على اختيارها دراسة العلاقات الدولية لدى انتسابها الى جامعة نيويورك وهي في الـ 18 من عمرها، أدت عوامل أخرى دوراً موازياً في توليد اهتمام لديها بدراسة الفن كمتنفس للتعبير الشخصي.
مع بلوغها الـ 13 من عمرها، باتت جيسيكا أكثر حساسية حيال الطريقة التي استخدمت فيها الصور لوصف المجتمع اللبناني أو المجتمعات الشرق الأوسطية، والميل الى تقديم وجهة نظر ضيقة عن ثقافتها. ومع إدراكها في سن مبكرة قوة الصور في التأثير على الطريقة التي يرى من خلالها الناس الأمور، بدأت تستخدم التصوير لتوثيق تربيتها ومشاركتها بين الولايات المتحدة ولبنان. اهتمت جيسيكا بتصوير الهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية، وتشجعت من الأثر الذي ولدته بيئتها الخارجية على إحساسها بالأمكنة والانتماء.
في لبنان، واجهت مراراً مناظر كانت في الوقت عينه متضررة من الحرب ومستمرة في بعث جمال وسحر نموذجيين للدول المتوسطية. “رغم ذلك، لم يكن سهلاً العثور على مناطق لم تكن مدمرة بالكامل أو في شكل جزئي خلال الحرب الأهلية، ولاسيما في بيروت”. وجدت نفسها “مضطرة” للبحث عن الجمال المخفي ضمن هذه المناطق المدمرة. ترك الأمر أثراً على أسلوبها التصويري الى حد ساهم في تطويرها “عيناً” لازدواجية الأغراض المتعارضة في الاطار نفسه: قاسٍ وناعم، قديم ومعاصر، طبيعي وصناعي.
بعد نيلها إجازة في العلوم السياسية من جامعة نيويورك (NYU) في سن الـ 21، اكتسبت كلش خبرة مهنية في القطاعين العام والخاص، بداية في مقر الأمم المتحدة ولاحقاً في شركة للتنمية الصديقة للبيئة، الى عدد من الجمعيات الخيرية. ومع تطوير نفسها مهنياً تجاه مسيرة في التنمية الاجتماعية، تمسكت بشغفها بالتصوير، وسمحت لها إقامتها في مدينة متعددة الثقافة والبيئة الفكرية كنيويورك، بتغذية شهيتها للرسم والكتابة والتصوير.
في الساعات الأولى من صباح 12 تموز 2006، ضربت زوبعة المبنى حيث تعمل في نيويورك، “وهو ما لم تعرفه المنطقة منذ أكثر من 30 سنة”. أعاد صوت الزوبعة وهي تعبر المبنى والخوف الذي واجه العاملين فيه الى أذهان كلش الشعور الذي خبرته مع تساقط القذائف حول منزلها في بيروت وقت كانت صغيرة. ومع عودتها بعد ظهر اليوم نفسه الى منزلها النيويوركي للاطلاع على الأضرار التي سببها الاعصار، وجدت عناوين أخرى: القصف الاسرائيلي على جنوب لبنان “كانت أمي وشقيقي قد وصلا الى بيروت ضمن زيارتهما السنوية، وكان يفترض بي ان ألاقيهما بعد نحو أسبوعين. بعد إغلاق مطار بيروت في 13 تموز، أدركت ان الزيارة لن تتم ذاك الصيف”.
مع استمرار الحرب، أمضت كلش أيامها على برنامج MSN Messenger للتحادث الفوري للحصول على أخبار عائلتها في بيروت، قبل ان تعود الى المنزل حيث كان والدها يمضي وقته في متابعة الأخبار على القنوات اللبنانية الفضائية. ومع مشاهدتها التقارير المصورة واللقطات عن تساقط الصواريخ والقذائف على امتداد البلاد، أبدت كلش توقاً الى ان تكون في لبنان “لتوثيق كل ما يجري على الأرض، ولاسيما ان كل قنوات الأخبار الأميركية كانت تنقل الوضع من الجهة الاسرائيلية من الحدود”.
أثرت الحوادث في شكل عميق على نفسية كلش، وبعد شهرين قررت ان تترك عملها في القطاع الخاص لتتقدم بطلب انتساب الى مدرسة للتصوير، وقبلت بعد أقل من سنة في برنامج متقدم في المركز الدولي للتصوير (ICP) في نيويورك. وفي سنة الدراسة المكثفة، أتقنت التصوير الرقمي والأفلام، مع تطوير “صوتها” كمصورة من خلال المفاهيم ودراسة الفنون الجميلة والتصوير التوثيقي، وتأثرت أعمالها بفنانين تصويريين كوليد رعد وجوانا حاجي توما وخليل جريج ووليم إغليستون وريتشارد برينس وغيرهم، وعملت على مشاريعها في مجالي الفنون الجميلة والوثائقي، مركزة على طريقة “تصوير” نساء الشرق الأوسط، وصولاً الى صور من العمارة المتروكة أو المهجورة في نيويورك.
بعد تخرجها من المركز في 2008، عملت كلش مصورة حرة اضافة الى انخراطها في هيئات غير حكومية في بيروت ونيويورك. كما شرعت في العمل على مشروع عن الآثار اللاحقة لحرب تموز 2006، وانتقلت عام 2009 الى بيروت لتمضي سنة تركز فيها على مشروع “انتقام هائل” (Massive Retaliation)، الذي يركز على “البزوغ” المتسرع للنزعة الاستهلاكية خلال إعادة تأهيل لبنان، وتأثيرها على التخطيط المدني، والحفاظ على الارث المعماري، والقيود على “التلوث البصري” في البلاد.
بعد عودتها لوقت قصير الى نيويورك عام 2010، قررت كلش الانتقال للإقامة نهائياً في بيروت عام 2011 للاستمرار في العمل مع الهيئات غير الحكومية والتواصل، مع إطلاق مشاريع تستشرف الثقافة والهوية من خلال عدسة سوسيولوجية.

عرضت صور جيسيكا كلش في عدد من المعارض المشتركة في نيويورك ولندن وبيروت، وأخيراً في “صالون الخريف” الـ 31 في متحف سرسق.

كريم أبو مرعي

2012-05-10

This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s