ياسمين حمدان وبيروت: الحب المستحيل

كان موقعاً باريسياً محبباً. الحاضرون خلف نادي Tigre (النمر) في الدائرة الأولى، يرتدون الجينز وشعرهم أشعث وفي أيديهم كؤوس من المشروبات الكحولية الغالية الثمن. مارك كولين، الشريك في تأسيس “الموجة الجديدة” من الـ electropop، كان يحضّر آلات موسيقية قديمة على مسرح صغير، وعليه عازفة درامز وعازف غيتار، ومغنية ناظرة الينا من خلف شعر أسود طويل.
تحضيراً لإطلاق ألبومها الجديد الذي يحمل اسمها، قدمت اللبنانية ياسمين حمدان حفلاً صغيراً في العاصمة الفرنسية، وتمايل الحاضرون على نغمات الموسيقى، أعينهم ثابتة على المسرح، ولا همّ ما اذا كان 10 في المئة منهم فقط يفهمون الكلمات التي ترددها. كما في أعمالها السابقة – التي شملت الثنائي المؤسس لموسيقى الـ underground في بيروت Soapkills، وألبوماً مع المنتج الباريسي المعروف Mirwais، وتعاوناً مع فرقة الروك الأميركية CocoRosie – تسعى حمدان الى إخراج الغناء بالعربية من دائرة “موسيقى العالم” وجعله تياراً أساسياً في الموسيقى.
“أحب الثقافة العربية، وأكره كيف يصوَّر العالم العربي في الصحافة اليوم”، كما قالت في لقاء بعد تدريب أجرته الشهر الماضي في الدائرة العاشرة. أضافت: “غنائي بالعربية موقف. إنه فن وتحدٍّ”. ولدت في بيروت عام 1976 وتنقلت في طفولتها بين الكويت وأبو ظبي واليونان، وحصدت نجاحها الأول في مسقطها عام 1998، من خلال أدائها مع زيد حمدان في ثنائي Soapkills. كجزء من الجيل الذي كبر بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، أطلقا الاسم على فرقتهما انطلاقاً من فكرة “تخطي” التاريخ المضطرب للمدينة أسرع مما يجب. قال زيد خلال لقاء صحافي “كانت الحرب تمحى، واعتقدنا ان الأمر براق ومريع في آن واحد، ورأينا ان اسم Soapkills سيكون جميلاً بالنسبة الى فرقة موسيقية”.
مزجت الفرقة بين الايقاعات “الالكترو” وصوت ياسمين الأجش والجامد. “في البداية أديت بالانكليزية، لكنني وجدت أسأل نفسي سريعاً عن سبب قيامي بذلك. شعرت بأني ثمة فراغاً يجب ملؤه، وبأن الغناء بالعربية على طريقتي يمنحني الحرية”. رفضت الاذاعات اللبنانية حمدان بداية “كان الأمر غير مألوف. اما ان تغني بالعربية التقليدية أو تؤدي الروك بالانكليزية”.  لكن الفرقة بدأت سريعاً بتحقيق موقع لها في المدينة. عرض منتجون أوروبيون وعرب على ياسمين عقوداً ونجاحاً شرط ان تغني بالانكليزية، لكنها رفضت. “كان غنائي (بالعربية) طريقتي في مواجهة المشكلات التي عرفتها مع الشعور بعدم الانتماء. كنت ضائعة كمراهقة، واضطررت الى إعادة تأسيس ذكرياتي. تنقلنا كثيراً. الموسيقى العربية خلقت لي نقاط مراجع، وبفضلها أعرف من أين أنا”.
انتقلت عام 2002 الى باريس، حيث استمرت في كتابة الموسيقى مع Soapkills، وحازت اجازة في الفنون المسرحية وتعرفت الى المخرج الفلسطيني ايليا سليمان، الذي أصبح زوجها. بدأت بكتابة موسيقى للأفلام، ومن خلالها تعرفت الى المنتج Mirwais عام 2005، الذي تعاون معها على ألبوم Arabology (2009). اختار أحد البرامج الاخبارية الفرنسية واحدة من الاغنيات التي تضمنها كموسيقى لمقدمته، واعتبرته مجلة Les Inrockuptibles واحداً من ألبومات الصيف، وقالت عنه: “تنسى سريعاً ان الألبوم ناجح شعبياً، ونحتفي سريعاً بمزيج بين الالكترو والموسيقى العربية، وهو تمرين في الأسلوب يتفادى السقطات التي تقع فيها موسيقى العالم”.
لكن حمدان، التي نشأت على كتابة موسيقى مستمدة أكثر من الجذور، سعيدة بانتهاء تجربة العمل مع منتج ضخم “عندما عملت مع Mirwais، خرجت من الساحة المحلية. علمتني التجربة ان أمزج الموسيقى العربية بالالكترو، ودفعتني الى العمل أكثر مع الكلمات. لكن Mirwais كان القائد الموسيقي للمشروع، لذا كانت التجربة غريبة بعض الشيء”. بعد انتهاء الترويج للألبوم، أخذت بعضاً من الوقت لكتابة المزيد من الأغاني، والغوص في أرشيفها من الموسيقى العربية، كما سافرت الى الولايات المتحدة وسجلت مع CocoRosie أغنية “القمر سأل الغراب”، التي لاقت نجاحاً على موقع “يوتيوب”.
بدأت في أيلول الماضي العمل على ألبوم جديد مع مارك كولين. تقول انها تعملت الكثير من العمل مع المنتج الفرنسي “لكن مع مارك، بت أعرف أكثر ماذا أريد ان انتج. مع الألبوم الجديد أريد العودة الى ما هو أكثر هدوءاً، والتركيز أكثر على الصوت، ومزج لهجات عربية عدة. الجانب الالكترو من الموسيقى يتأتى من مارك”. على سبيل المثال “بيروت” مستوحاة من أغنية لبنانية تعود الى الأربعينات من القرن الماضي “غنتها لي عمتي طوال الوقت (…) أنا سأغنيها لما هي المدينة بالنسبة الي، لكنني أيضاً منفية. انه حب مستحيل”. تمزج حمدان لهجات عربية عدة في غنائها، وفي ألبومها الأخير “بيروت” بلجهة لبنانية، “بعدين” بالمصرية والفلسطينية، “عرس” بالكويتية، و”سمر” باللهجة البدوية. “أختار الكلمات لوقعها الموسيقي وايقاعها ومعناها، وأختار اللهحة المناسبة للتعبير عن ذلك”. بالنسبة الى ياسمين، لم تحسم “معركة” القبول بعد “الأمر معقد، وتقبل موسيقاي صعب حتى في لبنان والعالم العربي. أغني بالعربية لكن لا يرافقني ناي أو آلات كلاسيكية. ربما تتغير الأمور مع مساهمة الانترنت في الانفتاح على الأمور”.

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to ياسمين حمدان وبيروت: الحب المستحيل

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s