الجدران إن نَطقَت “ليلة الغرافيتي” تنقلت في شوارع بيروت الأصوات على الجدران: الثورة مرت من هنا

ضرب الناشطون مساء الثلثاء موعداً مع الحريّة، لا سيما بعد النهج “القمعي” الذي سلكته السلطات العسكرية اللبنانية معهم في محاولة لتضييق مربع حرية التعبير، انطلاقاً من قضية الفنان سمعان خوّام والناشطين خضر سلامة وعلي فخري والممثل ادمون حداد، فغزوا شوارع بيروت بعدما تحضروا افتراضياً على موقعي “فايسبوك” و”تويتر” للتواصل الاجتماعي.

في تمام السادسة مساءً تجمّع نحو 200 شخص أمام مسرح المدينة في شارع الحمراء. قضيتهم كانت إحياء “يوم حريّة التعبير”. بداية، وقف شاب في مقتبل العمر، صرخ في محاولة للفت انتباه الناس إليه، فجّر المكان بكلماته التي عبر من خلالها عن جوعه، فقره، حرمانه ووضعه المعيشي، وهي مشكلات يتشاركها الشباب اللبنانيون. كانت كلماته كطلقات الرصاص، دخلت عقول الحاضرين الذين سرعان ما تفاعلوا معه. كانت كلماته بمثابة محفّز لكي يفرغ المشاركون ما في داخلهم من حقد وغضب حيال ما يحدث في بلادهم.
من أمام المسرح نحو “حائط مصرف لبنان” اتجه المشاركون، كلٌ يحمل في يده “بخّاخته” والـ”ستانسيل” الخاص به. على طول الحائط أطلق الشباب والشابات العنان لأفكارهم، فلم يسلم أحد من ألوان “بخاخاتهم”، فالشباب دعموا الثورات في العالم العربي، وطالبوا باسقاط “حمد” والحرية للناشط البحريني عبد الهادي الخواجة، وانتقدوا العسكر في لبنان فنعتوهم بالـ”كاذبين”، وطاولت الرسومات ايضاً رئيس الجمهورية اذ ذيّل أحدهم صورته بعبارة “رئيس على تويتر”. كما انتقد آخرون النظام الطائفي والفقر والجوع والسرقات والنواب والأجهزة الأمنية والوضع الاقتصادي في لبنان.
من حائط مصرف لبنان إلى الحائط المجاور لبرج المرّ، نقطة التعبير الثانية، مع الاشارة الى ان اختيار المواقع تم وفق نقاط تقاطع تمر بالقرب منها غالبية سكان العاصمة. وهناك تابع المشاركون نشاطهم، في ظل مواكبة أمنية مشددة من سيارات دوريات تابعة لقوى الأمن الداخلي، الى شاحنات نقل خاصة بالجيش، وكأن العسكر يحمون الناشطين ويواكبون تحركهم من دون ان يعلموا.
تمكن الناشطون من كسر حاجز خوف رسمته الأجهزة و”عيونها” زمناً طويلاً، فحرية التعبير هي بمثابة “عرض” ولا يمكن السكوت عن المساس به. من كان يتخيل ان تحظى الثورة السورية بدعم مباشر وعلني وتحديداً في الحمراء؟ ومن كان يعتقد ان في الامكان كتابة عبارات مناهضة لرئيس الجمهورية، وقضية الشباب الذين أوقفوا بتهمة التطاول عليه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ما زالت ماثلة في الأذهان؟ هل كان في الامكان الافتراض ان للغرافيتي قدرة على انتقاد الأجهزة الأمنية والنظام الطائفي وزعماء الأحزاب على مرأى من العسكر؟
قام الناشطون بكل هذا وأكثر، وشكل تحركهم رفضاً صريحاً صارخاً لكل مشروع للتضييق على الحريات العامة أياً كان من يقف خلفه. وصل المشاركون الى النقطة الثالثة الأخيرة أسفل جسر فؤاد شهاب، ومن تقاطع سبيرز إلى ساحة رياض الصلح، وصولاً الى مسجد محمد الأمين. تنقل الناشطون على خط سيرهم بانتظام، ولم يعتدوا على الأملاك الخاصة، بل كتبوا على الرصيف التابع للدولة اللبنانية قبالة الجامع ان “الثورة ستمر من هنا”، في محاولة للتذكير بأن “سوليدير سرقت بيروت” كما كتب أحدهم على الحائط عبارة أخرى تقول “بيروت ليست دبي”.
تحت الجسر وضع المشاركون لمساتهم الأخيرة على مشروع “فنّ الشارع” الذي أطلقوه دفاعاً عن الحرية، وكانت طلقات كلماتهم أشدّ وقعاً على المارة الذين توقفوا ليسألوا عن النشاط، وعلّق أحدهم قائلاً: “اكتبوا باسمي ان بيروت لم تعد للبنانيين”، في حين ان العسكريين والأمنيين ظلوا شهوداً على غضب الشباب الذين ارتأوا هذه المرة ان تكون الجدران صندوقاً لرسائلهم. هؤلاء الشباب كلّفوا الدولة عناء تنظيف الجدران بعد هذه “الثورة الغرافيتيّة” لأننا ندرك تماماً انها لا تستطيع ان تتحمل ثقل حريتنا، وان كلماتنا قد تساهم في ايقاظ هذا الشعب الذي يرقد بسلام داخل “دولاب” الروتين بعدما فرض عليه اعتياد ألا ينتفض سوى لقضايا دينية أو حزبية، بينما يتغاضى عن العديد من القضايا الحياتية والاقتصادية.

سليم اللوزي

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s