الدولة خافت “الغرافيتي” فاعتُقِل خضر سلامة وعلي فخري الناشطون صرخوا خارج الزنزانة: “بخّوا بخّوا عالحيطان”

لم تكن ليلة الجمعة 20 نيسان كغيرها من الليالي في بيروت، فهي الأخيرة في أسبوع “الغرافيتي” الداعم للثورة السورية، والذي نظمه الناشطون في محاولة لدعم هذه الثورة بعد أكثر من عام على اندلاعها.

الساعة الثالثة إلا عشر دقائق فجراً، وردنا اتصال من الناشط الصديق سعد الكردي يبلغنا ان الجيش اللبناني ألقى القبض على الصحافي والمدون خضر سلامة والناشط والمدون علي فخري في محيط منطقة بشارة الخوري، على خلفية قيامهما برسم “غرافيتي” على أحد الجدران. انتشر الخبر سريعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، وأعدّ المدوّن عماد بزّي صورة تجمع سلامة وفخري وذيّلها بطلب الافراج عنهما.
مع ساعات الفجر الأولى، بدأ الناشطون والمدونون التحضير لتحرك سريع وفوري. لم نعلم في حينه شيئاً عن مصير سلامة وفخري، وكانت المعلومات المتوافرة بسيطة وقليلة. البعض قال إن “الغرافيتي” كان موجَّهاً الى النواب اللبنانيين، ومنهم من قال إنها موجّهة الى العميد المتقاعد فايز كرم، الا ان “الغرافيتي” التي قام برسمها سلامة وفخري كانت عبارة عن ثلاثة أسهم على شكل مثلث تتوسطها “القبضة” التي شكّلت رمزاً للثورات العربيّة، وكتب تحتها “الثورة مستمرّة”.
كان لدينا أمل ضئيل في ان تخلي السلطات الأمنية سبيل سلامة وفخري لأنهما لم يخالفا القانون، وان ما فعلاه ليس سوى وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي الذي صانه الدستور اللبناني في مقدمته. كنا نحاول إرجاء التحركات التضامنية إلى ما بعد الظهر، ايماناً منا بإمكان خروجهما في الساعات القليلة المقبلة. الا ان آمالنا بدأت تتلاشى لحظة تلاصق عقربي الساعة معلنين وصول الشمس إلى قبّة السماء. عندها، دعونا الجميع إلى التحرّك لبدء الاعتصام المفتوح أمام مفرزة طريق الشام، التي نقلت الشرطة العسكرية سلامة وفخري اليها من مقرّها في منطقة المتحف.

على أرض الواقع 

قرابة الأولى بعد الظهر، تجمع نحو مئة ناشط وناشطة، رافعين لافتات تندد بالاعتقال وتدين “العسكر” الذي لا يقوى إلا على “الأحرار”. صرخوا ودانوا محاولات القمع الممنهج الذي تتبعه السلطات الأمنية بحق الناشطين، ولا سيما ان قضية الفنان الشاب سمعان خوّام المتهم بالقضية نفسها لا تزال قابعة في أدراج المحكمة، في انتظار الحكم النهائي في 25 حزيران. طالبوا بالافراج الفوري عن الناشطين، وسألوا القضاء عن العدالة، وعن التمييز في المحاكمات. لم تقتصر المشاركة على الناشطين والناشطات، اذ انضم اليهم محامون واعلاميون وفنانون، اتوا لمؤازرة حرية الرأي ونصرتها.
بدأ الاعتصام في شكل سلمي، وقرابة الرابعة والنصف عصراً، وحين تبين ان مفرزة طريق الشام قررت نقل سلامة وفخري إلى مقر الشرطة القضائية في فردان، صعّد المعتصمون تحركهم، فأغلقوا الطريق المؤديّة إلى المفرزة، افترشوا الطرق وبدأوا يرسمون على الأرض شعارات منددة بالتوقيف ومنها “الأرض مش لحدا”، “الحرية لعلي وخضر”، “المدوّن جوا والعميل برا”، وغيرها من الشعارات التي طاولت النواب والفساد والسرقات والمحسوبيات. حاول رجال أمن المفرزة فتح الطريق، الا ان محاولاتهم تحطمت عند “حائط” صمود المعتصمين.
في هذه الأثناء، بدأ الناشطون والناشطات المشاركون في الاعتصام بالتقاط الصور ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما منها “فايسبوك” و”تويتر”، في محاولة لايصال الصورة الحقيقية لما يجري، واستقطاب العدد الأكبر من المناصرين في العالم الافتراضي لتشكيل قوّة ضغط. وبعد مفاوضات اجراها الضابط المسؤول عن المفرزة مع المشاركين في الاعتصام في محاولة لفتح الطريق ونقل سلامة وفخري إلى الشرطة القضائية، بذريعة ان “الإفراج سيكون من هناك وليس من هنا”، تمكن المنظمون من حصر الاعتصام على الرصيف المقابل للمفرزة لإخراج الناشطين.
كانت أصوات أقدامهم تدقّ في رؤوس معتقليهم، طرق الحريّة تمرّ من تحت نعالهم، تسابقهم إلى سيارة الأمن التي جهّزت لنقلهم، انفجر المعتصمون بعد سكون دام لحظة في المكان، إشارات النصر يرفعها سلامة وفخري لثلاث ثوانٍ أمضاها الناشطان في الهواء الطلق لحظة انتقالهم من المفرزة إلى السيارة. صرخ الجميع بصوت واحد، ولا مبالغة في القول إن صرختهم كادت ان تشق الأرض محاولة ايقاظ ضمير العدالة النائم: “يا فخري ويا جوعان… بخّوا بخّوا عالحيطان”. ارتشفا كوب أملٍ مجبولٍ بطعم الحرية، وارتفع منسوب الأمان في قلبيهما إلى أقصى درجاته. هؤلاء المعتصمون لن يرحلوا الا برفقتهما.

الساعات الأخيرة 

إلى الشرطة القضائية في فردان، انتقل المعتصمون في موكبٍ كبير، يشيّعون العدالة، ويزفّون الحريّة. اجتاح الظلام تدريجاً المكان، وكان الظلم لا يزال يرخي بظلاله على التحرك. صعّد الناشطون من دعواتهم للدعم، وراسلوا رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي عبر “تويتر” وطالبوه بالتحرّك فوراً. استجاب ميقاتي وأكد انه سيتابع القضيّة. صعّد الناشطون الحملات المطلبية. توزّعت أحاسيس المعتصمين بين وجودي متمثل بحضور الناشطين امام الشرطة القضائية، و”افتراضي” بتغريدات الى ميقاتي ورسائل الكترونية الى مكتب رئيس الحكومة. إرتفع مستوى الضغط، تغريدة في العالم الافتراضي وصرخة في العالم الواقعي. ضربة على مسمار الحكومة، وأخرى على سندان الأمن. في تمام الساعة الثامنة مساء، أعلن الناشطون عزمهم على الاستمرار في اعتصامهم حتى الافراج عن الناشطين، أعلنوها ثورة على الظلم والظلام، افترشوا الأرض وهتفوا “من هنا لن نرحل ” و”عيب عيب يا عسكر”. من الساعة الثامنة حتى الثامنة والثلث اشتدّ الضغط، بلغ ذروته، لا سيما وان الرئيس ميقاتي “غرّد” بأن سلامة وفخري أصبحا بين اصدقائهما، فردّت الناشطة عليا عواضة تنفي الخبر، فطلب الرئيس ميقاتي منها التحلّي بالصبر. ومع مضي الدقائق العشرين، تعالت صرخات المعتصمين، السيارة الحمراء التي يملكها سلامة تتحرّك، هو خلف المقود والى جانبه فخري، فتح باب المفرزة بعدما ضرب أفراد الأمن طوقاً أمنياً خلف البوابة. دقيقة واحدة فصلت بين باب المفرزة والحريّة. أوقف المعتصمون السيارة، رفعوا الناشطَين على الاكتاف، وهتفوا بصوتٍ عالٍ “يا فخري ويا جوعان .. بخّوا حتى الدولة تجنّ جنان”.

داخل أقبية العسكر 

روى سلامة تفاصيل الاعتقال، فقال: “ألقى القبض علينا أحد أفراد الجيش في محيط منطقة بشارة الخوري، عند التقاطع تحت جسر المشاة، وسرعان ما طلب “دوريّة”. نقلنا إلى مقر فوج التدخل الخامس في الكرنتينا، وضعوا الاصفاد في أيدينا، ادارونا إلى الحائط، امضينا ساعتين وقوفاً من دون التفوه بأي كلمة، وعندما طلبنا الماء أجابونا بأنه ممنوع بأمر من الضابط. نقلت الأغراض الموجودة في سيارتي على أنها مضبوطات، فكان دفتر الهاتف الخاص بي بمثابة “داتا اتصالات”، وفهرس “فايسبوك” الذي اعدّته جمعية “SMEX” كأداة فايسبوكيّة جرمية، والشعار الذي رفعته في تظاهرة “الغلاء المعيشي وارتفاع سعر المحروقات” أداة للتحريض على الدولة، وكتاب “نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبو زيد كتاب تحريضي، وغيرها من الأغراض الشخصية، التي اعتبرت أدوات تحريض واساءة الى لبنان ودولة شقيقة”.
وتابع: “عندما نقلنا من فوج التدخل الخامس إلى الشرطة العسكرية في منطقة المتحف، قال أحد أفراد الشرطة (ارتدى تي – شيرت قطنية بيضاء وانتعل “مشاية أصبع”) للدورية “مش شغلتي قضيتهم”، فقال له اكتب لهم أيّ تهمة، واقترح عليه ان تكون تهمتنا “الهروب من حاجز للجيش”، وعليه بقينا داخل الزنزانة التي تفتقر الى كل المعايير الانسانية حتى ساعات الصباح الأولى. دخلنا إلى التحقيق للمرّة الثانية الساعة الأولى بعد الظهر، ثم نُقلنا إلى فصيلة طريق الشام، حيث وُضعنا داخل زنزانة، تشاركناها مع المواطن اللبناني يوسف يونس، الذي كشف لنا تعرضه للتعذيب أثناء التحقيق لانتزاع اعترافه بجرم لم يقترفه. ولدى استفسارنا عن التهمة الموجهة إلينا، احتار عناصر الأمن بين ان تكون “تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة”، او “الهرب من نقطة عسكرية”، أو “التحريض ضد الدولة اللبنانية”، أو “تشويه منظر عام”، الا انه في الحقيقة لا وجود لتهمة بعد. كانت صرخات المعتصمين في الخارج تدفعنا للثبات أكثر، والمضحك في الأمر، ان المعتصمين وأثناء هتافهم قالوا “فخري .. جوعان”، وجوعان هو الاسم المستعار الذي اوقّع به مقالاتي وتدويناتي، فدخل الضابط إلى علي فخري وقال له “كيف تقول لهم بأنك جوعان؟ كيف أوصلت هذا الخبر لهم؟”. بعدما نُقلنا إلى الشرطة القضائية في فردان، ودخولنا التحقيق للمرة الرابعة، تغيّرت ملامح وجه المحقق في تمام الساعة الثامنة وعشر دقائق، بعدما وردته رسالة من الخارج، وأخبرنا بعدها أنه سيتم الإفراج عنّا. عندها تأكدنا ان الضغط وصل إلى ذروته وان المعتصمين صعدوا إلى أعلى درجات النضال السلمي لاخراجنا”.
علي وخضر أصبحا خارج السجن، استطاع المعتصمون ان يغلبوا السجّان في هذه الجولة، والى حين تنظر النيابة العامة في قضيتهما، لن يتوقف الناشطان عن المشاركة في الحراكات التي تعبر عن هواجس الشعوب المقهورة، والقائمة على نصرة الشعب القابع في مستنقع الفقر بسبب ما تقوم به الفئة الحاكمة من فساد وسرقة. خضر، علي، وغيرهما من الناشطين، سيعبّرون عن “لاءاتهم” وانتقاداتهم، على الجدران “الافتراضية” وحيطان المدينة في محاولة لإيقاظ وحش الغضب النائم.

“يوم حرية التعبير”

أعلنت مجموعة من الناشطين عبر “فايسبوك” الثلثاء الأول من أيار “يوماً للدفاع عن حرية الرأي والتعبير وضد الرقابة على الأعمال الابداعية”، على ان تنطلق مجموعة من الناشطين والفنانين وكل من يرغب، من أمام مسرح المدينة في الحمراء “للتواصل مع حيطان المدينة وشوارعها كل منهم بما يمارسه” من فن (غرافيتي، رسم، تصوير، رقص، تجهيز)، داعية الى ألا تكون الدعوة محصورة ببيروت “بل في كل المناطق اللبنانية”.

  • سليم اللوزي
This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s