عن الحرب التي أقامت في المنازل والنفوس: ماذا يقول أبناء مقاتلين؟

ثمة أجيال ترعرعت في الحرب، وإن لم تعش يومياتها. كثيرون خبروها قصصاً وحكايا ويوميات الأهل الحاملين خوفهم في راحاتهم حتى تحول زاداً يومياً زهاء 15 سنة. في أسرار هؤلاء الكثير مما لم يروَ، والقليل مما يكشف، ولسان الحال الذي يردد دائماً “لم تنته الحرب”.

للحرب أجيالها التي عايشتها قصفاً وقنصاً وخطوط تماس وضحايا ومفقودين. لأبناء هذه الأجيال تجاربهم الدائمة مع ضوء الفجر الذي لم يُخطِرهم ما اذا كان سيأتي ليعلن بزوغ يوم جديد يطيل أمد حياتهم الخاضعة للتجربة. لهؤلاء وكثيرين غيرهم، كانت الحرب جرحاً نازفاً لا تندمل آثاره مع مرور الزمن، بل لعلها تغوص أعمق في الذاكرة، لتصبح سيرة معاشة تنقل ما خبرته الى أجيال عرفت من سنوات القتال فتات الأيام الأخيرة التي امتدت دهراً، والصور المنقولة عن 17 سنة من الاشتعال المتنقل من منطقة الى أخرى، ومن مدينة الى زقاق، ومن حساب الى مصلحة، ومن خط تماس الى صواريخ عابرة لفضاءات الخوف.
لكل من أفراد هذه الأجيال حكايته التي حملها بندقية ورصاصة ودمعة وحزناً. لكل منهم قصة ورواية وعائلة وأقارب. باتت الحرب بعد 37 سنة على اندلاعها حروباً مقيمة في كل نفس. ليس للحرب جيل واحد، ولا للقتل ضحية واحدة. انتقلت الحرب من الشوارع الى المنازل، والعقود الأربعة التي تكاد تمضي منذ عام 1975، لم تكن كفيلة بمداواة الجروح بالنسيان. تولّد الحرب أجيالاً كتوالد الأسماك في عمق البحر وظلام قعر المحيطات. تنمو الأجيال الجديدة على أخبار الأهل الذين قاتلوا أو قتِلوا. هكذا بدت الصورة لكثيرين لم يعرف ذووهم خياراً ثالثاً: إما حمل السلاح للدفاع عن النفس بقتل الآتي لقتلك، وإما التحول ضحية رصاصة طائشة أو مقصودة.
امتدت الحرب سنوات جعلت العبور الى السلم أصعب من تفادي رصاص القنص على معابر المتحاربين. زالت خطوط التماس من الطرق لتستوطن نفوساً دفعت ضريبة متكررة. بات السؤال عن “الـ 75” كافياً لجعل جيل كامل “ينفر” من الحديث، مفضّلاً عدم العودة الى زمن مضى. يدرك الشباب في أعماق تفكيرهم ان الزمن لم يمضِ. هم لا يريدون الحديث عنه، لا أكثر. لم يقتنع كثيرون ان الحرب انتهت. لم يختبروا مساراً يجعلهم يثقون بقدرة مجتمعهم الناهض من كبوة طويلة، على معالجة جروحه حد الوصول الى ذات متصالحة مع ماضيها.
للحرب غير جيل، منهم من ورِثَ ومنهم من أورَث. البحث عن شباب ولدوا لآباء وأمهات حملوا البندقية في الحرب سهل. سؤال هؤلاء عما تعلموه وسمعوه في منازلهم والقصص التي يذكرونها عن ذويهم مهمة شبه مستحيلة. أحد تقريباً لا يريد ان يعود بالذاكرة “الحرب مرحلة انتهت. تركيزنا على الأمور الآتية”. اللافت ان أحاديث هؤلاء تضمر في طياتها انتهاء الحرب وعدمه في الوقت عينه. يبدو الممتنعون عن البوح بمكنوناتهم كمن يريد الشيء ويدرك ان الواقع هو عكسه. ربما كان الحديث أسهل لو لم يكن هذا التناقض حاضراً في كل 13 نيسان منذ عام 1992. يعود ايلي ط. (29 سنة) الى أيام حربي التحرير والالغاء نهايات الثمانينات من القرن الماضي، وهي المرحلة التي “أذكر فيها كل شيء. خطوط التماس، الأوضاع في المناطق الشرقية، رحلة الذهاب الصعبة الى المدارس، الحواجز، منزلنا في الدكوانة…”. ولد ايلي عام 1983 في “جو حزبي ملتزم لا يسمح باللف والدوران”. شارك والده في الحرب مع حزب الكتائب بداية، ولاحقاً مع “القوات اللبنانية”. أخواله “الذين استشهد اثنان منهم” كانوا من “أهل البيت، وقاتلوا مع القوات”. مع بدء “حرب الإلغاء”، كان إيلي في يومه المدرسي الأول في مدرسة القلب الأقدس (الجميزة)، ووالده “غائب مرحلياً” في فرنسا، مما اضطر والدته الى المخاطرة بالانتقال الى المدرسة لإعادته “أخبرتني ان جندياً سألها: ليه بعتيه ع المدرسة؟ بدو ياخد الشهادة بكرا؟”.
سأل ايلي والديه مراراً عن الأيام التي سمع عنها من دون ان يعرفها “حاولت ان أعرف لماذا وصلنا الى هذه الحال. قرأت كثيراً، والتقيت أشخاصاً عاصروا المرحلة وكانوا من شخصياتها”. بالنسبة اليه فرضت الحرب “عندما مسّت كرامتنا وبيوتنا. الجماعة فاتوا لعنّا وبات القتال أمراً واقعاً. الحرب ما خلصت لأن لكل أمر سبباً ونتيجة. لم أحقد يوماً على فئة كشعب، بل كان حقدي على الانظمة والتحالفات الداخلية التي وقفت الى جانبها. مجتمعاتنا لم تكن يوتوبيا لكنني لم أعتد في منزلي ان أنمّي حقداً على فئة، بل كانت عداواتي مستمدة من واقع انني أدافع عن نفسي”. كانت الحرب بالنسبة اليه “الطريقة الوحيدة، لكنها لم تكن الأسلم ولا الأسوأ”. هو يسامح لكن لا ينسى “أتعلم مما جرى. أحد لا يخطىء ولو كلّفتنا الغلطة أكثر من 200 ألف قتيل. ما في بيت لبناني ما لبس أسود. لم أسامح بعد، والمطلوب مصالحة مع النفس. اعتذرنا عن أخطائنا لكن الآخرين لم يقوموا بالخطوة نفسها”.
خبِر حسين ب. (26 سنة) الحرب من عيني والده الذي حمل البندقية مع فصائل عدة في رأس النبع، من “المرابطون” الى حركة “أمل” ومنظمة العمل الشيوعي، قبل ان يهاجر الرجل وعائلته الى ألمانيا عام 1985. عاد حسين الى لبنان وهو في الـ 12 من عمره، واكتسب “الحديث الطائفي” في المدرسة، قبل ان يقفل عائداً الى منزله بأسئلة عن “الناس المسيحيي والاسلام. قدمت إليّ والدتي شرحاً مقتضباً عن الحرب والانقسام. قرأتُ وسألت والدي مراراً عن تلك الفترة، وتعلمت ان المصالح الشخصية تحكمت بكل شيء. يلّي ضرب ضرب ويلّي هرب هرب، والفائدة القصوى كانت للزعماء الذين بنوا مشاريعهم الخاصة”. لمس حسين لدى والده “عدم اقتناع بالحرب بعد خوضها. ربما كان الأمر أحد الأسباب التي دفعته الى الهجرة. قال إن المعتّر هو من يدفع الثمن”.
استمع حسين من ذويه الى روايات الملاجىء والهرب من القصف “وتلك المرة التي أوقف حاجز الكتائب سيارة أهلي وهم في طريقهم الى طرابلس، ولدى سؤالهم عن الوجهة أجاب أحد الركاب: رايحين نشوف إمو لمارسيل خليفة. ما الذي دهاه؟ لا أعرف، لكن الاجابة كلّفت انتظاراً لساعة ونصف ساعة”. نصيحة والدته كانت دائماً “إياك ان تكره ديناً أو طائفة. أرادت ان تبرهن لي ان الحرب سياسية أكثر منها طائفية”. يعد نفسه حالياً “يسارياً ولد رافضاً المشروع الاسرائيلي، وسمعت كثيراً في سنوات المراهقة ان الآخرين كانوا مع اسرائيل. مع الوقت تبدلت بعض اقتناعاتي، والآخرون هم أبناء بلدي. لا يمكنني ان ألوم أحداً، ولكل روايته عن الحرب. لدي ثوابتي السياسية لكنني لا أرغب في إطلاق النار على من اختلف معه في السياسة”. يرى ان المرحلة الراهنة “أصعب من الحرب. الوالد أخطأ ولم يخطىء، لكنني قد ألومه على المشاركة في القتال لأنه لم يكن ثمة مبرر للحرب. الأكيد انني لن أحمل سلاحاً في السياسة، لكنني قد أرفعه لأحصّل ربطة الخبز أو توفير مسكن أو أجر. الثوابت السياسية بطّلت محرزة”.
في عين إبل ولد بيتر ج. (22 سنة)، وأمضى طفولته في البلدة الحدودية “التي شهدت محاولات من الفدائيين الفلسطينيين لتنفيذ عمليات ضد اسرائيل”. استنفرت البلدة بعد قتل أربعة من أبنائها على يد “الغريب”، ووجد كثيرون انفسهم “مضطرين الى المشاركة في القتال”، ومن بينهم والدته التي علمت في سلاح الاشارة الخاص بأحد الأحزاب المسيحية “وشاركت في مكمنين”. لم يطلع على هذه التفاصيل قبل بلوغه سن العاشرة “كنت أسألها ولم تجد حرجاً في إخباري كل شيء، وأعادها عدوان تموز 2006 بالذاكرة الى سبل التصرف أثناء الحرب، وحاولت ان تحمينا”.
مع مرور السنوات، بات بيتر أكثر وعياً لما جرى “يمكن لو ما حملوا الناس السلاح كانت ضيعتنا راحت”، وهو فخور بهؤلاء وعلى رأسهم والدته “التي قاتلت في الحرب، ولا أجد حرجاً في ذلك. لمست لديها بسبب الظروف التي مرت بها، حناناً أكثر يحاول تعويضنا ما حُرِمَته في شبابها. لم يكن حمل السلاح من شيمها، لكن الظروف فرضت ذلك. أنا أكيد انها كانت على حق، ولو لم يتواجد أشخاص مثلها لكانت قريتي والجوار واجها مصيراً مماثلاً للقرى السبع، أو أصبحت مستوطنات اسرائيلية”.
عاش محمد أ. ز. (32 سنة) الحرب في حماية والده الذي غادر الدنيا قبل 10 سنين، بعدما أمضى سنوات في  الحرب مقاتلاً في صفوف “التنظيم الشعبي الناصري”. “لم يكن يتركنا لوحدنا سوى حين يخرج لتنفيذ عمليات”، اذ أقامت العائلة في ما يعرف بـ “المُغُر”، اي غرفة معزولة وسط الأشجار خوفاً من الخطف او السوق الى الاعتقال “وهو ما حصل غير مرة”. يذكر محمد ان أيام مراهقته طبعها التنقل من مكان الى آخر، ورؤية المسلحين يزورون “مخبأ” العائلة لتحضير الآتي من الجولات “أذكر ان أحد أصدقاء والدي ربط بسكة الحديد وفقد رجليه. اختبأ مقاتلون في بعض كنبات منزلنا. في بعض الأحيان كنا نخاف من العودة الى المكان نفسه خوفاً من ان يكون مفخخاً أو خاضعاً لعلاج بالغاز”.
أدرك محمد ان الحرب توقفت “عندما عدنا الى منزلنا”، لكنها بالنسبة اليه “لم تنتهِ، لم نرتح أصلاً. كلما هدأت الأوضاع يحصل ما ليس في الحسبان. أحد لا يشعر انه يعيش في أمان أو راحة”.

كريم أبو مرعي

2012-04-12

This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s