مؤسس “ويكيبيديا” يرى نفسه ناشراً للمعرفة الانسانية جيمي وايلز لـ”نهار الشباب”: صدقيتنا في تطور دائم ولا مساومة مع الصين

يجلس جيمي وايلز مرتاحاً الى عرشه .لم يكن أحد ليفترض ان “ويكيبيديا” ستكبر الى الحجم الذي أصبحت عليه اليوم، وان تكون الأولى في ترتيب نتائج البحث على العملاق الآخر “غوغل”. وايلز نفسه لم يرَ انه خلق عام 2001 موسوعة ستصبح على كل شفة ولسان… وبحث.

لم يعد ثمة مكان لـ “التقليدية” في العالم. هذا عصر كل ما هو سريع ومتاح ومتوافر بلمسة إصبع. المجلدات الكبيرة للموسوعات التقليدية لم تعد جاذبة، وبات مؤسس أحد أكثر المواقع الالكترونية إقبالاً (470 مليون زائر فردي شهرياً)، يقدم نصائح الى موسوعات عريقة مثل “بريتانيكا” وغيرها. ينظر كثيرون بعين الحسد الى جيمي وايلز، وفي مهرجان MENA Cristal (أقيم الأسبوع الماضي في فندق “مزار انتركونتيننتال”) الذي “سرق” بضع ساعات من وقته، كان الجميع ينظر الى الأميركي القادم من ولاية ألاباما، بصفته الشخص الذي غيّر مفهوم “الموسوعة”، ووضع نصب عينيه توفير المعلومة لكل مستخدمي الانترنت في العالم، بسهولة ومجانية.

الصدقية والحياد

حافظ وايلز على حذره في موضوع صدقية المادة المقدمة على صفحات “ويكيبيديا”، ففي لقاء مع “نهار الشباب” سبق مداخلته في المهرجان، شدد على سعي فريق التحرير في الموسوعة على “البحث الدائم عن سبل تطوير صدقيتها. وما لمسناه ان نضج فريق العمل ساهم في نضج المضمون الذي تقدمه الموسوعة، وأنا راضٍ عن التقدم الذي حققناه في هذا المجال، رغم اقتناعي بأننا يجب ألا نرتاح أبداً، ونستمر في البحث عن سبل لجعل ويكيبيديا أفضل وجزءاً رئيسياً من العالم”. يقر وايلز بأنه “يجب القيام بأمور كثيرة” قبل الوصول الى صيغة يراها مقبولة وتساهم في تعزيز صدقية الموسوعة لدى الناس، ولاسيما منهم أولئك الذين لا يستخدمونها، أو يرفضون حتى تاريخه الاعتراف بها مصدراً للمعلومات، وخصوصاً في الحلقات الأكاديمية و”التقليدية”، متحدثاً في الدرجة الأولى عن تحسين نظام التحرير (editing) لجعل مشاركة الناس في مضمون الموسوعة أكثر سهولة “ما لمسناه ان الناس المنخرطين في تحرير الموسوعة اشخاص يمتلكون هوساً معيناً لكل ما له علاقة بالتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وتالياً هم أقوياء في مجال المعلوماتية لكن قد يكونون على قدر أقل من المعرفة في مجالات أخرى”، مما يفترض حكماً توسيع قاعدة “المحدّثين” لتشمل المجالات الواسعة التي تغطيها “ويكيبيديا”.
قادت الموسوعة الالكترونية قبل نحو شهرين حملة عالمية رفضاً لمشروعي قانونين كان الكونغرس الأميركي يستعد لدرسهما، يتعلقان بحقوق الملكية الفكرية وقرصنة المعلومات على الانترنت (SOPA
و PIPA)، وساهمت “ويكيبيديا” باحتجابها 24 ساعة عن مستخدميها، في رفع منسوب الضغط على المشرعين الأميركيين. وضع المشروعان على الرف “أقله لهذه السنة” وفق وايلز، الذي رجح عودة الحديث عنهما “ما لم نقم بأمر مفيد خلال السنتين المقبلتين”. اعتبرت المعركة واحدة من المرات القليلة التي فرض فيها مجتمع الانترنت رأيه على الطبقة السياسية الأميركية وعدد كبير من مجموعات الضغط التي دفعت في اتجاه إقرار المشروعين، ولاسيما منها أرباب صناعة السينما في هوليوود. “كانت لحظة لافتة، ومن الأمور الاساسية التي ساهمت في نجاحها تواصل نحو 10 ملايين ناخب أميركي مع أعضاء الكونغرس وافهامهم ان الأمور لا تتم بالطريقة التي يريدونها، ولا يمكنهم (النواب) الاستماع فقط الى أصحاب المال”.
لكن الجبهة التي خيضت عليها المعركة يصلح ان تكون موضع نقاش، وهو أمر لا ينفيه وايلز “فأنا لست من دعاة ان يكون كل شيء مجانياً ومتاحاً للجميع. بعض النماذج التجارية أثبتت نجاحها ومن المفيد ان ندفع المال بدل الافادة منها. لكنني أعتقد ان القرصنة مشكلة مضخّمة، اذ انها السبيل الذي يلجأ اليه الكثيرون في العالم عندما تكون الأشياء التي يرغبون في شرائها غير متوافرة في بلدانهم. اذا لم توفر للناس ما يريدونه فسيبحثون عن كل الوسائل للحصول عليه.
ألا يمكن هوليوود ان تتعهد
توفير انتاجاتها عبر طريقة دفع متاحة أمام الجميع؟ خطوة كهذه يمكنها ان تساعد في الحد من القرصنة”. أما عندما يتعلق الأمر بـ “ويكيبيديا”، فستبقى الأمور على حالها “كل شيء مجاني، ومدخولنا توفره التبرعات التي نخصص حملة سنوية لجمعها”.
فتحت هذه الجبهة أيضاً الجدل حول الدور “السياسي” الذي يمكن ان تؤديه مجموعة (أو “موسوعة”) قادرة على التأثير الى هذا الحد. “ويكيبيديا” ليست “ويكيليكس”، وهذه نقطة أساسية يصرّ عليها وايلز، مع تأكيده انه لم يكن شديد الانتقاد لمؤسس الموقع “كاشف الأسرار” جوليان أسانج “وقفت في المنتصف، لأنه من المهم ان يكون ثمة مجال للراغبين في نشر ما يملكونه من معلومات عن ارتكابات، لكننا لا نقوم بهذا الأمر. ويكيبيديا ليست المكان الأمثل لنشر وثائق سرية، بل نريدها وسيلة لنشر المعرفة ومصدراً موثوقاً به مع رأي تحريري (editorial judgment). وقفت الى جانب منظمة العفو الدولية ومراسلون بلا حدود في التحذير من كيفية القيام بنشر الوثائق السرية”. يفتح وايلز مجالاً أوسع على النقاش في مدى تحول “ويكيبيديا” مجموعة ضغط (lobbying group) فاعلة. الأكيد انه لا يريدها كذلك، لكن حجمها المتنامي يفرض عليها ألا تكون بعيدة عن مسرح الأحداث، وهو ما يبدو جلياً في النقاشات الداخلية لإدارة الموقع “سنبحث مدى السنتين المقبلتين في الحد الذي يمكن ويكيبيديا ان تذهب اليه في سبيل تبني قضايا معينة أو دعمها (advocacy). نحاول ان نكون حياديين سياسياً، ومن المخطىء ان تبدأ الموسوعة في تأييد مرشحين سياسيين أو مواقف لأطراف معينين. عندما تعلق الأمر بقانون يؤثر على حرية الانترنت، وجدنا أنفسنا مرتاحين في الحديث عنه. كثيرون يقدّرون مبدأ الحياد ويرون انه يستحق النضال في سبيله. مع مجموعة من الأشخاص ينظرون الى الأمور من منظار مختلف، يمكننا بناء قاعدة صلبة تسمح بالاختلاف من دون ان تكون موجهة، وهذا ما نقوم به حالياً”.

“ويكيبيديا” عن “ويكيبيديا”

¶ موسوعة مجانية تعاونية متعددة اللغة على الانترنت، لا تبغى الربح وتدعمها مؤسسة “ويكيميديا”
¶ أطلقها في 15 كانون الثاني 2001 جيمي وايلز ولاري سانغر (اختلف الطرفان على “حقوق الملكية”، اذ يقول وايلز انه المؤسس الوحيد لـ “ويكيبيديا” بصيغتها الحالية، بينما تعاون مع سانغر في تأسيس “نيوبيديا”، وهي موسوعة على الانترنت عانت “البيروقراطية” في كتابة المضمون وتعديله، ولم تكن مفتوحة لمساهمة الجميع كما الحال مع “ويكيبيديا”)
¶ مصنّفة سادسة عالمياً في أكثر المواقع استخداماً
¶ 280 محرر “فاعل”، غالبيتهم (87 في المئة) من الذكور، ويبلغ معدل أعمارهم 26 سنة.
¶ يبلغ عدد “المشاركين في التحرير” نحو 100 ألف شخص شهرياً.

“إفشلوا سريعاً”

تحدث وايلز باستفاضة عن العديد من التجارب الفاشلة التي خاض غمارها قبل تأسيس “ويكيبيديا”، ليظهر للحاضرين انه لم يصل الى القمة بلا تجربة، مؤكداً ان الدرس الأهم الذي تعلمه “هو ان أفشل بأسرع ما يمكن، واكتشف ان مشروعي لن ينجح، عندها يمكن الانتقال الى مشروع أكثر إفادة. لا تتعلقوا كثيراً بالغرور الشخصي ورفض تغيير التكتيكات”.

“مضمون كتبه الآلاف”

انطلق وايلز في مداخلته في MENA Cristal من شعار اتخذته “ويكيبيديا” منهج عمل “تخيّل عالماً يتمتع فيه كل شخص على الكوكب بحق إطلاع مجاني على مجموع المعرفة الانسانية”، ليؤكد السعي الى تطبيقه بكل لغات العالم، وجعل الموسوعة متاحة للجميع، على ان يساهم الآلاف في كتابتها وتحديثها. وتعميماً لمفهوم حق التعبير، أكد وايلز ان الموسوعة “ليست كتاباً أو مكتبة أو أرشيفاً أو دليل سفر، بل ملخصاً أساسياً للمعرفة الانسانية”، تضم حالياً 20 مليون مقالة بـ 270 لغة، ويزورها شهرياً نحو 470 مليون مستخدم. وعن الرقابة التي تفرضها الصين على “ويكيبيديا”، أكد ان الطرفين “لن يساوما على مبادئهما، لكن لا يمكننا ان نمنع الصينيين من تنقية شبكتهم الخاصة. وفي هذا الاطار يمكننا القول ان الصين هي المتأخرة عن ويكيبيديا وليس العكس”، علماً انه قدم أمثلة عن رواج اسم “ويكيبيديا” في الصين واستخدامه في عدد من المطاعم.
وأوضح ان اهتمامات الناس “هي نفسها مهما كانت اللغة التي يستخدمونها لزيارة ويكيبيديا، ووجدنا ان الموضوعات السياسية تثير اهتمام الكثيرين

  • كريم أبو مرعي
  • 2012-03-01
This entry was posted in Weekly Supplement and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s